ومعنى {وَزَفِيراً} [الفرقان: 12] النفَس الخارج . وفي موضع آخر يقول تعالى: {إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ} [الملك: 7] فذكر أن لها شهيقاً وزفيراً ، وهي في المكان الضيق .
وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)
فجمع الله عليهم من العذاب ألواناً حتى يقول الواحد منهم لمجرد أن يرى العذاب: {ياليتني كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40] وهنا يدعو بالويل والثبور ، يقول: يا ويلاه يا ثبوراه يعني: يا هلاكي تعالَ احضر ، فهذا أوانك لتُخلِّصني مما أنا فيه من العذاب ، فلن يُنجيني من العذاب إلا الهلاك ؛ لذلك يقولون: أشدّ من الموت الذي يطلب الموت على حَدِّ قول الشاعر:
كَفَى بِكَ دَاءً أَنْ تَرَى المْوتَ شَافِياً ... وَحَسْبُ المنَايَا ِأنْ يكُنَّ أَمانِياً
ولك أن تتصور بشاعة العذاب الذي يجعل صاحبه يتمنى الموت ، ويدعو به لنفسه .
ثم يقول الحق سبحانه: {لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً وَاحِداً}
يُوبِّخهم الحق سبحانه وتعالى ويُبكِّتهم: يا خيبتكم ويا ضياعكم ، لن ينفعكم أنْ تدعوا ثُبوراً واحداً ، بل ادعوا ثُبوراً وثبوراً وثبوراً ؛ لأنها مسألة لن تنتهي ، فسوف يُسْلِمكم العذاب إالى عذاب ، حتى ينادوا: {يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77] وهو عذاب متجدد: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب} [النساء: 56] .
ثم يذكر الحق سبحانه المقابل ليكون ذلك أنْكَى لأهل الشر وأَغْيظ لهم ، فيذكر بعد العذاب الثوابَ على الخير وعِظَم الجزاء على الطاعة ، ومثل هذه المقابلات كثيرة في كتاب الله ، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ} [الإنفطار: 1314] .