كنت رسولاً كما تزعم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ما أنا بفاعل ما أنا بفاعل بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إلكيم بهذا ولكن الله تعالى بعثني بشيراً ونذيراً"فأنزل الله تعالى في قولهم ذلك {وَقَالُواْ مَّالِ هذا الرسول} الخ.
وقد سيق هنا لحكاية جنايتهم المتعلقة بخصوص المنزل عليه الفرقان بعد حكاية جنايتهم التي تتعلق بالمنزل ، وما استفهامية بمعنى إنكار الوقوع ونفيه في محل رفع على الابتداء والجار والمجرور بعدها متعلق بمحذوف خبر لها ، وقد وقعت اللام مفصولة عن هذا المجرور بها في خط الإمام وهي سنة متبعة ، وعنوا بالإشارة والتعبير بالرسول الاستهانة والتهكم ، وجملة {يَأْكُلُ الطعام} حال من {الرسول} والعامل فيها ما عمل في الجار من معنى الاستقرار ؛ وجوز أن يكون الجار والمجرور أي أي شيء وأي سبب حصل لهذا الزاعم أنه رسول حال كونه يأكل الطعام كما نأكل {وَيَمْشِى فِى الاسواق} لابتغاء الأرزاق كما نفعله على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب فقط مع تحقق المسبب الذي هو مضمون الجملة الحالية.
ومن الناس من جوز جعل الجملة استئنافية والأول ما ذكرنا ، ومرادهم استبعاد الرسالة المنافية لأكل الطعام وطلب المعاش على زعمهم فكأنهم قالوا: إن صح ما يدعيه فما باله لم يخالف حاله حالنا وليس هذا إلا لعمههم وركاكة عقولهم وقصور أبصارهم على المحسوسات فإن تميز الرسل عليهم السلام عماعداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأمور نفسانية أعني ما جبلهم الله تعالى عليه من الكمال كما يشير إليه قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ} [الكهف: 110] واستدل بالآية على إباحة دخول الأسواق للعلماء وأهل الدين والصلاح خلافاً لمن كرهه لهم.
{لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} .