وهذه من الآيات التي وقف عندها المستشرقون وقالوا: إن فيها شهبة تناقض ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 14] فأثبت أن معه آخرين لهم صفة الخَلْق ، بدليل أنه جمعهم معه ، وهو سبحانه أحسنهم . وفي موضع آخر يقول سبحانه: {وَرَسُولاً إلى بني إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أني أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله} [آل عمران: 49] .
وللردِّ على هؤلاء نقول: تعالوْا أولاً نفهم معنى الخَلْق ، الخَلْق: إيجاد لمعدوم ، كما مثّلْنا سابقاً بصناعة كوب الزجاج من صَهْر بعض المواد ، فالكوب كان معدوماً وهو أوجده ، لكن من شيء موجود ، كما أن الكوب يجمد على حالته ، لكن الحق سبحانه وتعالى يُوجِد من معدوم: معدوماً من معدوم ، ويُوجده على هيئة فيها حياة ونمو وتكاثر من ذاته ، كما قال سبحانه: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] .
والذين يصنعون الآن الورد الصناعي ، ويحاولون جاهدين مُضَاهاة الورد الطبيعي الذي خلقه ، فيضعون عليه رائحة الورد ليتوفر لها الشكل والرائحة ، ثم ترى الوردة الصناعية زاهية لا تذبُل ، لكن العظمة في الوردة الطبيعية أنها تذبل ؛ لأن ذُبولها يدلُّ على أن بها حياة .
لذلك سمَّى اللهُ الإنسانَ خالقاً ، فأنصفه واحترم إيجاده للمعدوم ، لكنه سبحانه أحسنُ الخالقين ، ووَجْه الحُسْن أن الله تعالى خلق من لا شيء ، وأنت خلقتَ من موجود ، الله خلق خَلْقاً فيه حياة ونمو وتكاثر ، وأنت خلقتَ شيئاً جامداً على حالته الأولى ، ومع ذلك أنصفك ربك .