ففي قوله تعالى: {أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير} [آل عمران: 49] معلوم أنه في مقدور كل إنسان أنْ يُصوِّر من الطين طَيْراً؟ ويُصمِّمه على شكله، لكن أَيُقال له: إنه خلق بهذا التصوير طَيْراً؟ وهل العظمة في تصويره على هيئة الطير؟ العظمة في أنْ تبعثَ فيه الحياة، وهذه لا تكون إلا من عند الله؛ لذلك قال عيسى عليه السلام: {فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله} [آل عمران: 49] .
فإنْ سلَّمْنا أنهم يخلقون شيئاً فهم في ذات الوقت مخلوقون، والأدْهَى من هذا أن الذي يتخذونه إلهاً لا يستطيع حتى أن يحمي نفسه أو يقيمها، إنْ أطاحتْ به الريح، وإنْ كُسِر ذراع الإله أخذوه لِيُرمموه، الإله في يد العامل ليصلحه!! شيء عجيب وعقليات حمقاء.
لذلك يقول تعالى عن آلهتهم: {إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب} [الحج: 73] .
ثم يقول سبحانه: {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} [الفرقان: 3] يعني: لا تنفعهم إنْ عبدوها، ولا تضرّهم إنْ كفروا بها {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً} [الفرقان: 3] أي: موتاً أو حياة لغيرهم، فهم لا يملكون شيئاً من هذا كله، لأنه من صفات الإله الحق الذي يُحيي ويُميت، ثم ينشر الناس في الآخرة. إذن: للإنسان مراحل متعددة، فبعد أنْ كان عَدَماً أوجده الله، ثم يطرأ عليه الموت فيموت، ثم يبعثه الله، ويُحييه حياة الآخرة. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ}