وهذا هو التفصيل المنطقي العاقل الذي نردُّ به على هؤلاء ، فلو كان مع الله تعالى آلهة أخرى لَذهبَ كل منهم بجزء من الكون ، وجعله إقطاعية خاصة به ، وعَلاَ كل منهم على الآخر وحاربه ، ولو كان معه سبحانه آلهة أخرى لاجتمعوا على هذا الذي أخذ الملْك منهم ليحاكموه أو ليتوسَّلوا إليه .
وقلنا: إن الدَّعْوى تثبُتُ لصاحبها إذا لم يَدّعِهَا أحد غيره لنفسه ، وهذه المسألة لم يدَّعها أحد ، فهي إذن ثابتة لله تعالى إلى أنْ يُوجَد مَنْ يدَّعي هذا الخَلْق لنفسه .
وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك بجماعة في مجلس فَقَد أحدهم محفظته فيه ، ولما انصرفوا وجدها صاحب البيت ، فسألهم عنها ، فلم يدَّعِها أحد منهم ، ثم اتصل به أحدهم يقول: إنها لي ، فلا شكّ أنها له حتى يوجد مُدَّعٍ آخر ، فنفصل بينهما .
ثم يقول تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان: 2] فخَلْق الله تعالى ليس خَلْقاً كما اتفق ، إنما خَلْقه سبحانه بقَدَرٍ وحساب وحكمة ، فيخلق الشيء على قَدْر مهمته التي يُؤدِّيها ؛ لذلك قال في موضع آخر: {الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى} [الأعلى: 23] .
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)
أي: أتوْا بآلهة غير الله ، هذه الآلهة بإقرارهم وبشهادتهم وواقعهم لا تخلق شيئاً ، ويا ليتها فقط لا تخلق شيئاً ، ولكن هي أنفسها مخلوقة ، فاجتمع فيها الأمران .