(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً(58)
قرأها بعض الصالحين فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق.
(الإشارة)
قد تقدم الكلام على التوكل في مواضع.
وللقشيري هنا كلام، وملخصه باختصار: أن التوكل: تفويضُ الأمر إلى الله سبحانه، وأصله: عِلْمُ العبدِ بأنَّ الحادثاتِ كلّها حاصِلةٌ من الله، ولا يقدر أحدٌ على إيجاد شيء أو دفعه، فإذا عَرَفَ العبدُ هذا، وعلم أن المراد الله لا يرتفع ولا يدفع، حصل له التوكل. وهذا القدر فرض، وهو من شرائط الإيمان، قال الله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، وما زاد على هذا القَدْرِ من سكون القلب، وطمأنيته، وزوال الانزعاج والاضطراب، فهو من أحوال التوكل ومقاماته.
فالناس في الاكتفاء والسكون على أقسام ودرجات، فأول رتبة فيه: أن يكتفي بما في يده، ولا يطلب الزيادة عليه، ويستريح قلبه من طلب الزيادة.
وتسمى هذه الحالة: القناعة، فيقنع بالحاصل، ولا يستزيد ما ليس بحاصل - يعني: مع وجود الأسباب - ثم بعد هذا سكون القلب في حال عَدَمِ الأسباب، وهو مقام التجريد، وهم متباينون في الرتبة: واحد يكتفي بوعده لأنه صَدَّقَهَ في ضمانه، فسكن قلبه عند فقد الأسباب ثقةً منه بوعد ربه، وقد قيل: إن التوكل: سكون القلب بضمان الربِّ، ويقال: سكون الجأش في طلب المعاش، ويقال: الاكتفاء بوعده عند عدم [[نقده] ].
وألطف من هذا أن يكتفي بِعلْمِ الله، فيشتغل بمولاه، ولا يلتفت إلى إنجاز وعد ولا ضمان، فيكِلُ أمره إلى الله، وهذه حالة التسليم.
وفوق هذه: التفويض، وهو أن يَكِلَ أمرَه إليه، ولا يختار حالاً على حال، فيشتغل بمولاه ويغيب عن نفسه وعن كل ما سواه، يعلم أنه مملوكٌ لسيِّده، والسيَّدُ أولى من العبد بنفسه.