الثاني: أنها كتبت له وهو أمي فهي تملى أي: تلقى عليه من كتاب ليحفظها؛ لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.
{قل أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ}
أي: الغيب {فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ؛ لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته وتضمنه أخباراً عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار، فكيف تجعلونه أساطير الأولين مع علمكم أن ما تقولونه باطل وزور؟
وكذلك باطن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما يبهتونه، وهو يجازيكم على ما علم منكم وعلم منه.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يطابق هذا قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ} أي: أزلاً وأبداً {غَفُوراً رَّحِيماً} ؟
أجيب: بأنه لما كان ما يقدمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة عليه؛ لأنه لا يوصف بالرحمة والمغفرة إلا القادر على العقوبة، أو هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صباً، ولكن صرف ذلك عنهم؛ لأنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل.
{قل أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّة ُ الْخُلْدِ}
أي: الإقامة الدائمة {الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} أي: وعدها الله تعالى لهم، فالراجع إلى الموصوف وهو هاء وعدها محذوف.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يقال: العذاب خير أم جنة الخلد، وهل يجوز أن يقول القائل: السكر أحلى أم الصبر؟
أجيب: بأنه يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر، فضربه ويقول له: هذا خير أم ذلك؟
قال أبو مسلم: جنة الخلد هي التي لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلود سواء كالشكر والشكور، قال تعالى: {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} (الإنسان: 9)
«فَإِنْ قِيلَ» : الجنة اسم لدار الخلد، فأي فائدة في قوله تعالى: {جَنَّةُ الْخُلْدِ} ؟
أجيب: بأنَّ الإضافة قد تكون للبيتين، وقد تكون لبيان صفة الكمال كقوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ} (الحشر: 24)