واعلم أن هذا التبديل لا يكون إلا لمن اتصف بما ذكر في الآيات المارات بدليل الإشارة إليها بقوله أولئك ،
ثم عمم بعد التخصيص فقال"وَمَنْ تابَ"من ذنوبه من العاصين أجمع"وَعَمِلَ صالِحاً"تحقيقا لتوبته"فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً"71 أي يرجع إلى ربه بعد الموت رجوعا حسنا أفضل من غيره ، فالتوبة الأولى عن أمهات الكبائر وهي الموبقات السبع الثلاثة المبينة في الآية المارة وقذف المحصنات ، والفرار من الزحف ، والسحر ، وشهادة الزور ، والثانية عن فروعها من مقدمات الزنى ، والقتل ، والتعديات الأخر ، والمراد بهذه التوبة الرجوع إلى اللّه والندم طلبا للمجازات والمكافآت إذا أريد بهم التائبون المستثنون أو عن مطلق الذنوب إذا أريد غيرهم"وَ"من صفة أولئك العباد أيضا"الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ"خصصها بعد التعميم لعظمها عند اللّه ، ولما فيها من تضييع الحقوق وفساد الأخلاق ، لأنها لا تكون إلا بالمقابلة أو بالعصبية أو الرشوة ، وكلها مذمومة.
روى البخاري ومسلم عن
أبي بكر رضي اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟
قلنا بلى يا رسول اللّه ، قال الإشراك باللّه وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس وقال: ألا وقول الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ..
وكان عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه يجلد شاهد الزور أربعين جلدة ويسخم وجهه ويطوف به بالأسواق.
فليتنا نفعل بعض هذا في هؤلاء الذين تجارأوا على اللّه في شهاداتهم وأتلفوا حقوق ذوي الحقوق.