... (( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) ) (1) .... وما أرسلنا رسول قط ليقول للناس إن هناك إلها، فالفطرة تعرف ذلك بغير رسول. ولا أرسل رسول قط ليقول للناس إن هناك إلها فاعبدوه. فالفطرة تتجه تلقائيا إلى عبادة الإله الذي تؤمن به.... إنما أرسل الرسل جميعا ليقولوا للناس: (( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) ) (2) .... ذلك أن مشكلة البشرية الكبرى لم تكن إنكار وجود الله، إنما كانت هي الشرك. ودعك مما سرى فِي الجاهلية المعاصرة من إلحاد ينكر وجود الله، فقد نشأ من ظروف خاصة، وله شياطينه الذين ينفخون فيه. ولكنه لون خاص من الانحراف لم يقع بصورته تلك فِي أي جاهلية من جاهليات التاريخ0... والذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا: (( ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) ) (3) وسموا بالدهريين، كانوا على وجه اليقين منكرين للبعث، ولكن الآية لا تدل دلالة قاطعة على أنهم كانوا ينكرون وجود الله. فقد نسبوا الموت إلى الدهر بمعنى مرور الزمن، أي أنهم يولدون، ويحيون حياتهم، ثم يهلكون بمرور الزمن، ثم لا يبعثون مرة أخرى بعد الموت. وهؤلاء كانوا مطموسى البصيرة بلا شك. ولكنا لا نستطيع أن نقطع بأنهم كانوا منكرين لوجود الله، وإن أنكروا قدرة الله على البعث. فقد كان مشركو العرب ينكرون البعث، ولكنهم مع إنكارهم هذا - إذا سئلوا (( من خلق السماوات والأرض ) )يقولون الله. وإذا سئلوا من خلقهم يقولون الله، كما سجل القرآن عليهم:... (( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) ) (4) .... ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله )) (5) .
(1) سورة الأعراف: 172 .
(2) سورة هود: 50، 61،84 .
(3) سورة الجاثية: 24 .
(4) سورة لقمان: 25 .
(5) سورة الزخرف: 87 0