(( قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار(16) أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه فِي النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فِي الأرض كذلك يضرب الله الأمثال )). (1)
الأمثال لها وقع خاص فِي النفوس، لأنها ترسم صورة موازية للمعنى المقصود00 تحوى غالباً أموراً من مألوفات الحياة، يستطيع الناس بسهولة أن يتعرفوا عليها ويتمثلوها فِي أذهانهم0 ثم يقطع الخيال رحلة ممتعة ينتقل فيها من هذه الأمور المألوفة إلى المعنى (( الموازى ) )، فيتجسم المعنى وينبض بالحيوية حين يدرك الإنسان وجه الشبه بينه وبين الصورة الواردة فِي المثل، ويتضاعف حجمه فِي الحس لأن الإنسان يراه مرتين: مرة فِي الصورة المجردة، ومرة فِي المثل المضروب.
وفى القرآن ترد أمثال كثيرة، تجسم المعاني التي يراد تجسيمها، وتضاعف وقعها فِي النفوس0 وتجئ الإشارة إلى ذكر الأمثال فِي القرآن فِي مثل قوله تعالى: (( ولقد ضربنا للناس فِي هذا القرآن من كل مثل ) ). (2)
ولكن هذا المثل المضروب فِي سورة الرعد له خصوصية حتى بين الأمثال:
إنه يبدأ بكلام لا تحسبه فِي بادئ الأمر مثلا يضرب، لأنه حقيقة واقعة من حقائق (( الطبيعة ) )التي خلقها الله، تجئ فِي معرض ذكر القدرة الإلهية: (( الله حالق كل شيء وهو الواحد القهار(16) أنزل من السماء ماء000 )).
ولكن هذه الحقيقة مرتبطة بالمثل0 فهي حقيقة وهي مثل يضرب ذات الوقت0.
هذا الماء الذي نزل بقدرة الله سالت منه أودية، كل واد بحسب سعته، وجرى الماء فِي الوديان فاحتمل السيل زبدا رابيا00 إلى هنا يتم تقرير هذه الحقيقة الواقعة التي تقع فِي الطبيعة، ويسجل السياق وجود الزبد مع اندفاع الماء، وهذه أيضاً حقيقة تقع فِي الطبيعة0.
ولكن يأخذ المثل فِي التشكل عند هذه النقطة، ثم يمضى شوطا آخر0.
(1) سورة الرعد: 16 ، 17
(2) سورة الروم: 58 0