ولم يذكر العكبري إلا الوجه الأول. وأحيل في تفصيل إعرابها إلى قوله تعالى:"أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" [البقرة: 39] .
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) }
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ:
الواو: يجوز أن تكون للعطف على ما تقدمها. وإليه ذهب أبو حيان. قال: العطف"لما بينهما من المناسبة، وهو أنه تعالى لما ذكر أن المتصفين بهذه الأوصاف يرثون الفردوس، فتضمن ذلك المعاد الأخروي - ذَكَر النشأة الأولى ليستدل بها على صحة الآخرة، فإن الابتداء في العادة أصعب من الإعادة". وقيل إن الواو لابتداء الكلام، وإليه ذهب ابن عطية ورجحه الشوكاني. قال ابن عطية:"هذا ابتداء كلام. والواو في أوله عاطفة جملة الكلام على جملة، وإن تباينت المعاني".
لَقَدْ: اللام: داخلة في جواب قسم مقدر. قَدْ: حرف تحقيق.
خَلَقنَا: فعل ماض، والضمير في محل رفع فاعل.
الْإِنْسَانَ: مفعول به منصوب، والمراد الجنس، أو هو على حذف مضاف تقديره أصل الإنسان، أو آدم عليه السلام. قال أبو حيان:"ولم يذكر لشهرة الأمر، وإن المعنى لا يصلح إلا له".
مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ:
مِن سُلَالَةٍ: جار ومجرور. وفيه قولان:
الأول: متعلق بـ"خَلَقنَا"وهو الأظهر.
والثاني: متعلق بمحذوف حال من المفعول به.
ولم يذكر العكبري غير الأول.
و"مِن"فيه لابتداء الغاية. من طِينٍ: جار ومجرور. وفي تعلقه أقوال:
أحدها: أنه متعلق بمحذوف صفة"سُلَالَةٍ".
والثاني: متعلق بنفس"سُلَالَةٍ"، والمعنى: مسلولة من طين.
والثالث: متعلق بـ"خَلَقنَا"، وعلى هذا يكون بدلًا من"مِن"الأولى بتكرار الحرف، والمعنى أن السلالة هي نفس الطين.
وفي معنى"مِن"الأولى إجماع على أنها للابتداء. وأما"من"الثانية ففي معناها اختلاف. قيل هي كالسابقة للابتداء وذهب الزمخشري إلى أنها بيانية كقوله تعالى:"فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ" [الحج: 30] . وفرَّق ما بينهما - بعبارة أبي حيان - أنها "لا تكون للبيان إلا إذا قلنا: السلالة هي الطين. أما إذا قلنا إنه أُنْسِل من الطين فـ"مِن"لابتداء الغاية".