وقد ناقش هؤلاء كثيراً في قوله تعالى:
{هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ} [التوبة: 33] .
وفي قوله: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ والله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون} [الصف: 8] {وَلَوْ كَرِهَ المشركون} [الصف: 9] .
يقولون: ومع ذلك لم يتم الدين ، ولا يزال الجمهرة العالمية في الدنيا غَيْر مؤمنين بالإسلام ، يريدون أنْ يُشكِّكوا في كتاب الله . وهذا القول منهم ناشئ عن عدم فَهْم للآية ، ولمعنى {لِيُظْهِرَهُ} [التوبة: 33] فهي لا تعني أن ينتصر الإسلام على كل ما عداه انتصاراً يمحو المخالفين له .
إنما يُظهِره يعني: يكتب له الغلبة بصدق حُجَجه وقضاياه على كُرْه من الكافرين والمشركين ، فهم - إذن - موجودون ، لكن يظهر عليهم ، ويعلو دين الإسلام ، ويضطرون هم للأخذ بقوانينه وتشريعاته حَلاً لمشاكلهم ، وكَوْنهم يتخذون منه حلاً لمشاكلهم وهم كافرون به أبلغ في الردِّ عليهم لو آمنوا به ، فلو آمنوا بالإسلام ما كان ليظهر عليهم ويعلوهم .
فما كنتم تُشكِّكون فيه وتقولون إنه ما كان يصدر من إله ولا رسول ، فها هي الأيام قد عضّتكم بأحداثها وتجاربها وألجأتكم إلى هذا الحكم الذي تعارضونه ، وها أنتم تُشرِّعون بتشريع الإسلام وأنتم كافرون به ، وهذا دليل ظهوره عليكم .
ومعنى {حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً} [الحج: 55] يعني: فجأة ، وقد تكلَّم العلماء في معنى الساعة: أهي يوم القيامة ، أم يوم يموت الإنسان؟ الساعة تشمل المعنيين معاً ، على اعتبار أن مَنْ مات فقد قامت قيامته حيث انقطع عمله ، وموت الإنسان يأتي فجأة ، كما أن القيامة تأتي فجأة ، فهما - إذن - يستويان .