ثم يقول سبحانه: {وَإِنَّ الظالمين لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [الحج: 53] فهم ظالمون أولاً لأنفسهم حين نظروا إلى منفعة عاجلة قليلة ، وتركوا منفعة كبيرة دائمة . والشِّقاق: الخلاف ، ومنه قولنا: هذا في شِقٍّ ، وهذا في شِقٍّ ، يعني: غير ملتئمين ، وليْته شِقَاق هَيِّن يكون له اجتماع والتئام ، ليته كشِقَاق الدنيا بين الناس على عَرَضٍ من أعراض الحياة ، إنما هم في شقاق بعيد . يعني: أثره دائم ، وأثره فظيع .
إذن: العلة الأولى لما يُلقِي الشيطان أن يكون فتنة . أما العلة الثانية ففي قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ . .} .
قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ} [الحج: 54] يعني: يتأكدوا تأكيداً واضحاً أن هذا هو الحق ، مهما شوَّشَ عليه المشوِّشُون ، ومهما قالوا عنه: إنه سحر ، أو كذب ، أو أساطير الأولين ؛ لأن الله سيُبطل هذا كله ، وسيقف أهل العلم والنظر على صِدْق القرآن بما لديهم من حقائق ومقدمات واستدلالات يعرفون بها أنه الحق .
وما دام هو الحق الذي لم تزعزعه هذه الرياح الكاذبة فلا بُدّ أن يؤمنوا به {فَيُؤْمِنُواْ بِهِ} [الحج: 54] ثم يتبع هذا الإيمان عملٌ وتطبيق {فَتُخْبِتَ لَهُ} [الحج: 54] يعني: تخشع وتخضع وتلين وتستكين .
ثم يقول سبحانه: {وَإِنَّ الله لَهَادِ الذين آمنوا إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الحج: 54] .
فمسألة كيد الشيطان وإلقائه لم تنته بموت الرسول ، بل هو قاعد لأمته من بعده ؛ فالشيطان يقعد لأمة محمد كلها ، ولكل مَنْ حمل عنه الدعوة .
يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112] .