ذلك يأتي إبراهيم عليه السلام وقد آتاه الله الرشد من قبل النبوة، ثم آتاه النبوية بعد ذلك وظل أبوه في ضلاله وغيه، وأخذ ينصح أباه فلم يقبل منه أبوه النصح، حتى أمره أن يتركه وينصرف أن يعتزلنا، قال له بتهديد"لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ"يا إبراهيم، يقول لإبراهيم"لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا"اتركني وانصرف، كما يقولها البعض اليوم ولكن لغة القرآن عالية، لغة القرآن سامية، لكن في كلام الناس يقول الوالد للولد: لا انت ابني ولا أنا أعرفك، لا انت ابني ولا أنا أبوك، تبرؤ كامل، قالها أبو إبراهيم مع أنه رأى قبل ذلك موقفاً حين قام الكافرون المشركون ليحرقوا إبراهيم في نارهم، فنظر أبوه مع القوم فوجدوا إبراهيم في وسط النار لا يتألم ولا يتأوه ولا يصرخ ولا يستغيث، وكأنما يعيش في جوٍ مكيفٍ طبيعي جميل لطيف لا يشعر بشيء، وذلك أنه قال: حسبي الله ونعم الوكيل [15] ، فقال الله"يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ"فكانت كذلك، فلم يروا منه شيئاً من الضيق ولا الحرج، جالس عادي، قال أبو إبراهيم الذي هو آزر نعم الرب ربك يا إبراهيم، والله ما في رب مثل ربك يا إبراهيم، ما هذا ما هذه العظمة، إذاً آمن؟ لا ظل على كفره، كما ظل على كفره أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مقام أبيه، رأى من ابن أخيه عليه الصلاة والسلام عجباً وإعجازاً وحقاً وصدقاً ويعلم صدقه، ولكن ظل على دين آباءه وأجداه حتى لحظات الموت ومات عليها، ومات على هذه الملة الخاسرة خشية أن يقول الناس: إن أبا طالب ضعف عند موته، ومات أبو إبراهيم على كفره وهو من أهل النار، ومات أبو طالب على كفره وهو من أهل النار [16] ، وهكذا.