وقد أنزل الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - من الأدب بالمنزلة العليا، وخصه منه بالآية الكبرى حتى صار أهلاً لمناجاته، ومشافهته في ليلة الإسراء التي خصه بها دون سائر الأنبياء، ثم حفظ عليه الأدب في تلك الحالة، كما وصفه به في قوله: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [سورة النجم: 17] ، ثم أمره بحفظ الأدب في سائر أحيانه بألطف الإشارة في قوله: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [سورة الشعراء: 218، 219] ؛ عبر بالقيام عن مطلق الحركة؛ أي: حين تتحرك في أي أمر كان، وفي أي وقت كان، فاحفظ الأدب فيه؛ فإني مطلع عليك في سائر حركاتك وفي صلاتك.
فالأدب الذي يكون به العبد متشبهاً بالصَّالحين هو الأدب الذي أدَّب الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وأمره أن يؤدب به النَّاس.
روى العسكري في"أمثاله"عن علي رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أَدَّبَنِيْ رَبِّيْ فَأَحْسَنَ تأْدِيْبِي".
ورواه ابن السمعاني من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وزاد فيه:"ثُمَّ أَمَرَنِيْ بِمَكارِمِ الأَخْلاقِ، وقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [سورة الأعراف: 199] الآية".
روى الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِنَّ اللهَ أَمَرنيْ أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مِمَّا عَلَّمَنِيْ، وَأَنْ أُوَادِبَكُم"، الحديث.
وروى البيهقي في"الشعب"عن سمُرة - رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"كُلُّ مُؤْدِبٍ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَىْ مآدبه، وأدب اللهِ الْقُرآنُ فَلا تَهْجُرُوْهُ".
وروى الترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لأَنْ يُؤْدِبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ".
قلت: الصاع في الحديث مبهم، فيحتمل أن يكون المراد صاعاً من طعام، وهو المتبادر، ويحتمل أن يكون صاعاً من ذهب أو دُرٍّ، والأدب في نفس الأمر أنفس من ذلك، فلا عَدَّ فيه، والله الموفق.