ثم أخبر عن أحوال القيامة وأهوالها وأهل القرب منها بقوله تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ} [الكهف: 99] أي: خذلنا بعض من بقي بعد هبوب الريح الطيبة، وقبض أرواح المؤمنين والمسلمين. {يَمُوجُ} [الكهف: 99] بالهرج والمرج والقتل والقتال، {فِي بَعْضٍ} [الكهف: 99] فيه إشارة إلى أن الله تعالى خلق الخلق على جبلة الإنسانية التي رأت الملائكة بنظر الملكوتي في ملكوت آدم عليه السلام حيث قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] فالله سبحانه وتعالى على قانون حكمته، ووفق مشيئته الأزلية عصم من عصم منهم من إظهار هذه الصفات الذميمة، وبدَّلها باستعمال أكسير الشريعة بالصفات الملكية والأخلاق الربانية، وترك من ترك منهم بالخذلان، فظهر منهم هذه الصفات الذميمة المجبولة عليها كما قال تعالى: {إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] ، وقال: {قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} [عبس: 17] .
ولهذا ما كذب الله تعالى الملائكة حين قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30] فأجابهم بقوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] يعني: أني أعلم من هم المنظورون بنظر العناية فاعصمهم عن إظهار هذه الصفات، وأوفقهم لتبديلها، وأزكيهم عنها كما قال تعالى: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} [النساء: 49] وقال: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} [النور: 21] .