ولا اعتراض بما حكاه عليه السلام عن ربه عز وجل أنه يقول يوم القيامة:"يا ابن آدم مرضتُ فلم تَعُدْني واستطعمتُك فلم تُطعمني واستسقيتك فلم تَسقني"فإن ذلك تَنزُّلٌ في الخطاب ، وتلطُّف في العتاب ، مقتضاه التعريف بفضل ذي الجلال ، وبمقادير ثواب هذه الأعمال.
وقد تقدّم هذا المعنى.
والله تعالى أعلم.
ولله تعالى أن يطلق على نفسه ما يشاء ، ولا نطلق نحن إلا ما أذن لنا فيه من الأوصاف الجميلة ، والأفعال الشريفة.
جل وتعالى عن النقائص والآفات علواً كبيراً.
وقال في الغلام:"فأردنا"فكأنه أضاف القتل إلى نفسه ، والتبديل إلى الله تعالى.
والأشد كمال الْخَلْق والعقل.
وقد مضى الكلام فيه في"الأنعام"والحمد لله.
الثالثة: قال شيخنا الإمام أبو العباس: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق تلزم منه هدم الأحكام الشرعية ، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة ، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص ، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ، ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم.
وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار ، وخلوها عن الأغيار ، فتتجلى لهم العلوم الإلهية ، والحقائق الربانية ، فيقفون على أسرار الكائنات ، ويعلمون أحكام الجزئيات ، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات ، كما اتفق للخضر ؛ فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم ، عما كان عند موسى من تلك الفُهوم.
وقد جاء فيما ينقلون:
استفت قلبك وإن أفتاك المُفْتون.