الأولى: إن قال قائل لم يسمع لفتى موسى ذكر في أوّل الآية ولا في آخرها ، قيل له: اختلف في ذلك ؛ فقال عكرمة لابن عباس: لم يسمع لفتى موسى بذكر وقد كان معه؟ فقال: شرب الفتى من الماء فخلّد ، وأخذه العالِم فطبَّق عليه سفينة ثم أرسله في البحر ، وإنها لتموج به فيه إلى يوم القيامة ، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب منه.
قال القشيريّ: وهذا إن ثبت فليس الفتى يوشع بن نون ؛ فإن يوشع بن نون قد عُمّر بعد موسى وكان خليفته ؛ والأظهر أن موسى صرف فتاه لما لقي الخضر.
وقال شيخنا الإمام أبو العباس: يحتمل أن يكون اكتفى بذكر المتبوع عن التابع ؛ والله أعلم.
الثانية: إن قال قائل: كيف أضاف الخضر قصة استخراج كنز الغلامين لله تعالى ، وقال في خرق السفينة: {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} فأضاف العيب إلى نفسه؟ قيل له: إنما أسند الإرادة في الجدار إلى الله تعالى لأنها في أمر مستأنف في زمن طويل غيب من الغيوب ، فحسن إفراد هذا الموضع بذكر الله تعالى ، وإن كان الخضر قد أراد ذلك الذي أعلمه الله تعالى أنّه يريده.
وقيل: لما كان ذلك خيراً كله أضافه إلى الله تعالى ، وأضاف عيب السفينة إلى نفسه رعاية للأدب ، لأنها لفظة عيب ، فتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه ، كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] فأسند الفعل قبلُ وبعدُ إلى الله تعالى ، وأسند إلى نفسه المرض ، إذ هو معنى نقص ومصيبة ، فلا يضاف إليه سبحانه وتعالى من الألفاظ إلا ما يستحسن منها دون ما يستقبح ، وهذا كما قال تعالى: {بِيَدِكَ الخير} [آل عمران: 26] واقتصر عليه فلم ينسب الشر إليه ، وإن كان بيده الخير والشر والضر والنفع ، إذ هو على كل شيء قدير ، وهو بكل شيء خبير.