ومنها: ما يتعلق بالملائكة وهو أنهم لما خلقوا من النور الرحماني العلوي كان من طبعهم الانقياد لأوامر الله والطاعة والعبودية له فلما أمر بسجود آدم امتحنوا به وذلك غاية الامتحان؛ لأن السجود أعلى مراتب العبودية له فلما أمروا بسجود آدم والتواضع لله فإذا امتحن به أحد أن يسجد لغير الله فذلك غاية الامتحان للامتثال، فلم يتلعثموا في ذلك وسجدوا لآدم بالطوع والرغبة من غير كرهٍ وإباءٍ امتثالاً وانقياداً لأوامر الله تعالى كما قال تعالى:
{لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] .
ومنها: ما يتعلق بإبليس وهو أنه لما خلق للضلالة والغواية والإضلال والإغواء خلق من النار وطبعها الإشعال والاستكبار وإن نظمه الله في سلك الملائكة منذ خلقه وكساه كسوة الملائكة وهو قد تشبه بأفعالهم تقليداً لا تحقيقاً حتى عد من جملتهم، وذكر في زمرتهم، وزاد عليهم في الاجتهاد بالاعتبار لا بالاعتقاد فاتخذوه رئيساً ومعلماً؛ لما رأوا منه اشتداده في الاجتهاد بالإراءة دون الإرادة فلما امتحن بسجود آدم في جملة الملائكة هبت نكباء النكبة وانخلعت عنه كسوة أهل الرغبة والرهبة ليميز الله الخبيث من الطيب، فطاشت عنه تلك المخادعات وتلاشت منه تلك المبادرات وعاد المشئوم إلى طبعه قد تبين الرشد من غيِّه، فسجد الملائكة وأبى إبليس واستكبر من غيِّه وظهر أنه كان من الجن وأنه طُبع كافراً.
{فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] وخلع قلادة التقليد عنه ليعلم أن الأصل لا يتخطى، ويتحقق أن في هذا الامتحان يكرم الرجل أو يهان، كما أن البعرة تشابه المسك وتعارضه في الصورة. فلما امتحن بالنار تبين المقبول من المردود والمبغوض من المودود.