بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ [الكهف: 19] أي: في الطعام {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً} [الكهف: 19] فيه إشارة إلى الاحتراز عن شعور أهل الغفلة بأحوال أرباب المحبة، فإن لهم في النهاية أحوال كفر عند أهل البداية، كما قال أبو عثمان المغربي: إرفاق العارفين باللطف وإرفاق المريدين بالعنف.
{إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} [الكهف: 20] يعني: أهل الغفلة {يَرْجُمُوكُمْ} [الكهف: 20] بالملامة فيما يشاهدون منكم يا أهل المعرفة من وسعة الولاية وقوتها، واستحقاق التصرف في الكونين وانعدام تصرفها فيكم، فإنهم بمعزل عن بصيرة يشاهدون بها أحوالكم، فمن قصر نظرهم يطعنون فيكم أو يريدون أن {يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} [الكهف: 20] وهي عبادة أصنام الهوى وطواغيت شهوات الدنيا وزينتها، فإن رجعتم إليها {وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً} [الكهف: 20] .
ثم أخبر عن الحكمة في اختصاصهم بالعزلة بقوله تعالى: {وَكَذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} [الكهف: 21] إشارة إلى أنه كما أطلعنا بعض منكري البعث والنشور بالأجساد على أحوال أصحاب الكهف {لِيَعْلَمُوا} [الكهف: 21] ويتحقق لهم {أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ} [الكهف: 21] بالبعث وإحياء الموتى {حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ} [الكهف: 21] أي: قيام الساعة {لاَ رَيْبَ فِيهَا} [الكهف: 21] أنا قادرون على إحياء بعض القلوب الميتة، وإن وعد الله به بقوله: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] وبقوله: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122] حق وإن قيامه قلوب الصديقين المحبين لا ريب فيها.