والثاني: ذكر هذا لتطيب به أنفسهم؛ إحسانا منه إليهم، وإنعامًا عليهم؛ إذ له أن يميتهم صغارًا وكبارًا، وعلى ذلك يخرج قوله: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ...) الآية.
وقد وسع على كثير من الخلق، وكذلك قوله: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً...) الآية، وقد جعل لكثير من الخلق ذلك، لكن هذا لما له أن يفعل ذلك للكل، فمن لم يفعل ذلك له إنما لم يفعل إحسانًا منه وإفضالا؛ فعلى ذلك الأول إنما ذكر ما ذكر إحسانًا منه وإفضالا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا(81)
قَالَ بَعْضُهُمْ (خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً) ، أي: صلاحًا، (وَأَقْرَبَ رُحْمًا) : أي: أوصل رحما وأبر لوالديه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً) ، أي: عملا، (وَأَقْرَبَ رُحْمًا) ، أي: أحسن منه برًّا لوالديه.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (رُحْمًا) ، من الرحم والقرابة.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (رُحْمًا) ، أي: رحمة وعطفا.
وذكر أنهما قد أعطيا خيرًا منه، أي: خيرًا من القتيل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا ...(82)
اختلف في ذلك الكنز:
قَالَ بَعْضُهُمْ: كان ذلك الكنز مالا كنزه أبوهما.
قال ابن عَبَّاسٍ: حفظ؛ لصلاح أبيهما، ما ذكر منهما صلاح.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كان ذلك الكنز مصحفا فيها علم.
قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل على أن يكون علمًا؛ لأن العلم مما يعلمه العلماء ويشترك الناس فيه؛ فلا يحتمل أن يحفظ ذلك لهما دون الناس؛ فإن ثبت وحفظ ما روي في الخبر فهو مال وعلم.