وبتقديرنا: إن القواعد اللغوية التي تأسست عليها علوم العربية كافة مشتقة من الذخيرة اللغوية لهذا الخطاب، بل من هذا البحر الذي لا ينفد؛ من كلمات الله عز وجلّ؛ وما قوله تعالى:"قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا،"؛ إلا دلالة على المخزون اللامتناهي لهذه اللغة التي لا يستطيعها البشر، ولو اجتمعوا على نسق واحد في محاكاة هذه الكلمات، أو محاولة استنفاد طاقتها الروحانية والدلالية والقدسية المتموضعة فيها؛ لما استطاعوا الإلمام بمتغيراتها؛ ودليلنا: إن هذه الآية لو وضعت بمقابلها بحور من الكلام البشري لرجحت عليها؛ وهذا رد منا على أولئك المتفيهقين الذين يقيسون كلام الله بكلام المخلوق، أو الذين يقيسون كلام الله بكلام الخلق ومعاييره الدونية في التقادم والتلاشي الدلالي؛ فالكلام البشري مهما ارتقى جمالياً في أي خطاب أدبي يبقى في حيز التقليد أو المحاكاة التي لا تتجاوز حدود الآنية، ولحظتها المتقادمة، أو الزائلة، في حين تبقى اللغة القرآنية في عالم من الرفعة والسمو والتحليق الجمالي المطلق؛ وهذا يعني أن الخطاب القرآني لا يتقادم زمنياً، في حين أن الكلام الأدبي يتلاشى ويتقادم زمنياً، وهذا من مصدر جمالية اللغة القرآنية وسموها ورفعتها؛ وبتقديرنا إن محاولة بعض الشعراء تقليد القرآن في شكله ومضمونه، إن بنوايا حسنة، أو سلبية، لهي محاولة خاسرة بشكل لا يدع مجالاً للشك، فقد تكفل الله بأن يجعل كلمته العليا، بمعنى أن لغة الخطاب القرآنية متعالية إعجازاً وجمالاً؛ ومصونة عن التقليد، ولو اجتمعت كل مواهب الشعراء والكتاب قديماً وحديثاً؛ لما استطاعوا أن يحايثوا آية، أو يخلقوا رصانة في نسج الجملة القرآنية التي تبقى متعالية حتى فوق اللغة ذاتها؛ وشتان في القوة والمنعة والحصانة في المفردة القرآنية مقارنة بالمفردة الشعرية مهما ارتقت وسمت.