وإن كانوا في ذلك أقل من الكفار المجاهرين. لأن العبرى بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما قدمنا إيضاحه وأدلته.
وقوله في هذه الآية الكريمة: {الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ} [الكهف: 104] أي بطل واضمحل. وقد قدمنا أن الضلال يطلق في القرآن واللغة العربية ثلاثة إطلاقات:
الأول - الضلال بمعنى الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل. كالذهاب عن الإسلام إلى الكفر. وهذا أكثر استعمالاته في القرآن. ومنه قوله تعالى: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين} [الفاتحة: 7] ، وقوله: {وَلاَ تتبعوا أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السبيل} [المائدة: 77] .
الثاني - الضلال بمعنى الهلاك والغيبة الاضمحلال ، ومنه قول العرب: ضل السمن في الطعام إذا استهلك فيه وغاب فيه. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [القصص: 75] أي غاب واضمحل ، وقوله هنا: {الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ} أي بطل واضمحل ، وقول الشاعر:
ألم تسأل فتخبرك الديار... عن الحي المضلل أين ساروا
أي عن الحي الذي غاب واضمحل ، ومن هنا سمي الدفن إضلالاً. لأن مآل الميت المدفون إلى أن تختلط عظامه بالأرض ، فيضل فيهما كما يضل السمن في الطعام. ومن إ طلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان:
فأب مضوله بعين جلية... وغودو بالجولان حزم ونائل
فقوله"مضلوه"يعني دافنيه في قبره. ومن هذا المعنى قوله تعالى: {وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [السجدة: 10] الآية. فمعنى {ضَلَلْنَا فِي الأرض} أنهم اختلطت عظامهم الرميم بها لغابت واستهلكت فيها.