والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به. قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم ، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها. وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13] والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر ، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟! في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء ، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة ، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به ، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم ، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع ، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذلله وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه ، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء ، فإن بقي فهو غير مرفوع. واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟. قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [يونس: 62] والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله تعالى ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله. وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: {ويدعوننا رغباً ورهباً} [الأنبياء: 90] وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية ، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي. فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في