الفرع الأول - لا يجوز التوكيل إلا في شيء تصح النيابة فيه.
فلا تصح في فعل محرم ، لأن التوكيل من التعاون ، والله يقول: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان} [المائدة: 42] الآية.
ولا تصح في عبادة محضة كالصلاة والصوم ونحوهما ، لأن ذلك مطلوب من كل أحد بعينه ، فلا ينوب فيه أحد من أحد ، لأن الله يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] الآية.
أما الحج عن الميت والمعضوب ، والصوم عن الميت - فقد دلت أدلة أخر على النيابة في ذلك. وإن خالف كثير من العلماء في الصوم عن الميت ، لأن العبرة بالدليل الصحيح من الوحي ، لا بآراء العلماء إلا عند عدم النص من الوحي.
الفرع الثاني - ويجوز التوكيل في المطالبة بالحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها. سواء كان الموكل حاضراً أو غائباً ، صحيحاً أو مريضاً. وهذا قول جمهور العلماء ، منهم مالك والشافعي وأحمد وابن أبي ليلى ويوسف ومحمد وغيرهم. وقال أبو حنيفة: للخصم أن يمتنع من محاكمه الوكيل إذا كان الموكل حاضراً غير معذور ، لأن حضوره مجلس الحكم ومخاصمته حق لخصمه عليه فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضا خصمه. وقد قدمنا في كلام القرطبي: أن هذا قول سحنون أيضاَ من أصحاب مالك. واحتج الجمهور بظواهر النصوص لأن الخصومة أمر لا مانع من الاستنابة فيه.
قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - في مسألة التوكيل على الخصام والمحاكمة: أن الصواب فيها التفصيل.
فإن الموكل ممن عرف بالظلم والجبروت والادعاء بالباطل - فلا يقبل منه التوكيل لظاهر قوله تعالى: {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} [النساء: 105] . وإن كان معروفاً بغير ذلك فلا مانع من توكيله على الخصومة. والعلم عند الله تعالى.