"مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ"الفرث في الكرش ما دام فيها ، نخرج"لَبَناً خالِصاً"من شوائب الكدورة ، ومن مصل الفرث والدم جاريا بسهولة هنيئا مريئا ، بدلالة قوله"سائِغاً لِلشَّارِبِينَ"66 لا غصّة فيه ولا يحتاج للمضغ ولا يثقل على المعدة ولا يحتاج للشرب بعده ، وهو غذاء وماء يكفي الكبير والصغير ، ذلك تدبير الحكيم القدير الذي هو بكل شيء خبير.
أخرج ابن مردويه عن يحيى بن عبد الرحمن ابن أبي لبيبة عن أبيه عن جده قال: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: ما شرب أحد لبنا فشرق ، إن اللّه تعالى يقول (لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ) وهو كذلك ، فإذا وقع الشرق فيه فاعلم أن اللبن مشوب بماء ، لأن كلام الرسول لا ينخرم أبدا.
وقرئ سيغا بالتخفيف والتشديد ، وهي قراءة جائزة لأن اللفظ يحتملها بلا زيادة ولا نقص لما ذكرنا أن التشديد والتخفيف والمد والإشباع لا يعد نقصا ولا زيادة.
هذا ، واعلم أن الحيوان إذا تناول غذاءه ينزل إلى معدته إن كان إنسانا ، وإلى كرشه إن كان حيوانا ، وإلى أمعائه إن كان من غيرهما فيحصل في الغذاء الهضم الأول ، فيجذب بقدرة اللّه تعالى الصافي إلى الكبد ، والكثيف إلى الأمعاء ، ثم يحصل الهضم الثاني في الذي انجذب إلى الكبد ، فيصير دما مخلوطا بالصفراء والسوداء وزيادة المائية ، فتجذب بحكمة الحكيم الصفراء إلى المرارة والسوداء إلى الطحال والمائية إلى الكلى ، ومنها إلى المثانة ، ويذهب الدم في العروق ، وهي الأوردة الثابتة في الكبد ، فيحصل الهضم الثالث ، فيصب الدم من تلك العروق إلى الضرع وهو لحم غددي رخو أبيض ، فينقلب بقدرة القادر ذلك الدم لبنا صافيا فيه.
هذا مصير الصافي من الغذاء ، ولا يستبعد أحد كيفية الانجذاب المذكور ، لأن القوة الجاذبة من أمر اللّه ، والذي وضعها في الحديد يضعها في غيره ، والنظر قوة جاذبية الاستفراغ وقس عليها.