وهذا الوَيْل ليس في الآخرة فقط ، بل في الدنيا أيضاً ؛ لأن الإنسان يدفعها بها ؛ هنا يستطيع المؤمن أن يذكر أن له رباً فوق الأسباب ؛ ويرتاح إلى معونة الحق سبحانه له ، وهكذا يشعر أن له رصيداً في الدنيا يعتمد عليه في مواجهة الأحداث الجِسَام .
أما غير المؤمن فليس أمامه سوى اليأس ؛ ولذلك نجد انتشار الانتحار بين غير المؤمنين ؛ لأن هناك أحداثاً فوق أسبابهم ، ولا يستطيعون دفعها ، وليس لهم إيمان بربٍّ يرجعون إليه .
ولذلك حين أقرأ للمفسرين مَنْ يشرح كلمة"الويل"بأنها عذابُ الآخرة ؛ فأجد نفسي قائلاً: بل والوَيْل يكون في الدنيا أيضاً ؛ لأن الكثير من أحداث الحياة يكون فوق أسباب الإنسان ؛ فلو لم يؤمن الإنسان بالله لَفزِع من فَرْط اليأس .
ولذلك نجد بعضهم حين لا يجدون مَفَرّاً إلا أنْ يقولوا يا رب ، وهم بذلك يعلنون صرخة الفطرة الأولى التي قاوموها بالإلحاد وعدم الإيمان ؛ وهذا الويل له امتداد بلون أشد في الآخرة .
ويصف الحق سبحانه هؤلاء الذين لا يؤمنون ، فيقول: {الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا ...}
وهنا نجد مادة الحاء والباء ؛ حب ؛ ومن عجائبها أن الفعل يكون رباعياً ؛ فنقول"أحبَّ فلان"ونقول لِمَنْ يحبه"محبوب"وهذا يعني أن هناك تلاقياً بين الاثنين ؛ أما في حالة عدم التلاقي فيقال"حَبَّ يُحِب فهو حَابٌّ مُحِبٌّ".
والفرق بين أحبَّ واستحبَّ ؛ ملحوظٌ في مَجيء السين والتاء ، وهما علامة على الطلب . على هذا فاستحبَّ تعني أنَ مَنْ يحب لم يكتَفِ بالأمر الطبيعي ، بل تكلَّف الحب وأوغلَ فيه .
والمثل على ذلك نجده في الحياة اليومية ؛ فنرى مَنْ ينجرف إلى شيء من الانحراف ؛ ولكنه لا يُحِب أن يكون مُحِباً لهذا الانحراف في نفس الوقت ؛ ويفعل الانحراف وهو كَارِهٌ له ، وقد يضرب نفسه ويلومها لأنها تنجرف إلى هذا الانحراف .