فهو سبحانه بالصفة يفعل ؛ أما الإنسان فلا يفعل إلا إذا فعل الصفة ، فأنت لا تعرف أن فلاناً كريم ؛ إلا لأنك تراه يعطي عن جُودٍ وسَخاء ، أما الله فهو الكريم من قبل أن يوجد مَنْ يُكرمه .
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات ...} .
وأنت إنْ قرأتَ هذه الآية موصولةً بما قبلها ؛ فستقرؤها:
{صِرَاطِ العزيز الحميد * الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [إبراهيم: 1 - 2] .
وإن كنتَ ستقرؤها مَفْصُولة عمَّا قبلها ؛ فستقول:
{الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [إبراهيم: 2] .
وستنطق كلمة"الله"غير مُرقَّقة عكسَ إنْ قرأتَها موصولة ، حيث يجب أن تنطقها مُرقَّقة .
وتقتضي الأصول في الكتاب أن يوجد الاسم العلَم على الذات أولاً ، ثم تأتي الصفة من بعده ، فتقول:"لقيت فلاناً الشاعر أو الكاتب أو العالم"، لكن الأمر هنا جاء على غير هذا النَّسَق: {صِرَاطِ العزيز الحميد} [إبراهيم: 1] .
أي: قدَّم {العزيز الحميد} ثم جاء بلفظ الجلالة ، وهو العلَم على واجب الوجود"الله"، وقد حدث ذلك لأن العلَمَ يدل على مُسمَّاه بصرف النظر عن الصفات ؛ ثم توجد الصفات له .
وهناك من العلماء مَنْ قال: إنه مُشْتق بمعنى أن"الله"تعني المعبود بحقٍّ ؛ وصفة العزيز الحميد حيثية لأنْ يُعبدَ سبحانه بحقٍّ .
ومن العلماء من قال: إن كلمة"الله"هي علَم ، وليست اسماً مُشْتقاً ؛ فَلَهُ الملكية المطلقة:
{الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [إبراهيم: 2] .
لا يقع في هذا المُلْك إلا ما شاء هو ، فَمنْ آمن به أنصف نفسه وحياته وآخرته ، أما مَنْ لم يؤمن به فَلَه المقابل ، وهو قوله الحق:
{وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [إبراهيم: 2] .