ويريد الحق سبحانه أنْ يُجلي لنا الطريق إلى هذا الصراط ، لأنه قد يكون مُتعباً للبعض ؛ فيريد سبحانه أن يجمع لنا بين أمرين ؛ طريق متضح واضح يَصِل فيه الإنسان إلى الغاية بِيُسْر ؛ وطريق آخر غير واضح لا تتجلى فيه الأشياء .
وجاء بالظلمات والنور ليوضح لنا هذا المعنى ؛ حيث يكون الطريق المستقيم هو أقصر وسيلة للغاية المَرجُوّة من الحياة الدنيا والآخرة ؛ ويكون طريق الظلمات هو الطريق غير الآمن .
وينسب الحق سبحانه الطريق الذي يُخرِجنا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم:
{إلى صِرَاطِ العزيز الحميد} [إبراهيم: 1] .
والعزيز هو الذي يَغْلِب ولا يُغْلَب . والحميد هو مَنْ ثبتت له صفة الحمد من الغير ، وإنْ لَم يصدر حَمْدٌ من الغير ؛ فهو حميد في ذاته ، ويجب أن يُحمد رغم أنك إن حمدتَه أو لم تحمده فهو حميد .
ولله المَثلُ الأعلى ، وسبحانه مُنَزَّه عن كل مثيل أو شبيه ؛ نجد في حياتنا الدنيا مَنْ يُقال عنه إنه حميد الخصال ؛ وإنْ لم يوجد مَنْ يمدحه ؛ لكنه في كُلِّ ما يصدر عنه يراعي أن يكون محموداً .
ولكن البشر يكون المحمود منهم حَدثاً ؛ أما المحمود من الحق فهو مُطْلق ، ولا تكون الذاتُ محمودة أو حميدة إلا إذا كان لها من الصفات ما يجعلها أهلاً للإنعام الذي يجب على الإنسان أن يحمده .
والفطرة السليمة في الإنسان تستقبل هذا الكون المُعَدّ من قَبْل أنْ يوجد لاستقباله ، وتحب أن تحمد مَنْ صنع هذا الكون ، رغم أن حَمْد الإنسان أو عدم حَمْده لا يضيف شيئاً لِمَنْ أعدَّ هذا الكون وخلقه ؛ فهو محمود في ذاته .
وإن حمدته فهذا لمصلحتك ؛ وفي هذا هداية إلى صراط العزيز الذي لا يُغْلب ، والحميد الذي يستحق الحمد ؛ وإنْ لم يوجد حامد له ؛ لأن صفاته سبحانه أزلية .
فالله خالق قبل أن يخلق الخلق ؛ وهو الرازق قبل أن يُخْلق المرزوق ، وهو مُعِز قبل أن يوجد مَنْ يُعِزه ؛ محمود قبل أنْ يوجد مَنْ يحمده ؛ توَّاب قبل أن يوجد مَنْ يتوب عليه .