والاصْطفاء الثاني: أنه رسولٌ للناس كَافَّة ؛ وهذه منزلة عالية أخرى ؛ لأنها تستوعب المكان والزمان ، والألسنة والأقوام .
ثم يأتي الإعجاز في قوله:
{لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور ...} [إبراهيم: 1] .
ولم يَقُلْ من الظلمات إلى الأنوار ، وشاء أنْ يأتي بالظلمات كجمْع ؛ وأنْ يأتي بالنور كالمفرد ، لأن النور واحد لا يتعدد ؛ أما الظلمات فمتعددة بتعدُّد الأهواء ؛ ظُلْمة هنا وظُلْمة هناك .
وهكذا يشاء الحق سبحانه أن يُجلي المعاني بالمُحسَّات التي يدركها الجميع ، فلا شك أن الظُّلْمة تستر الأشياء التي قد يصطدم بها الإنسان فيمتنع عن السير مطمئناً ؛ لأنه إنِ اصطدم بشيء فقد يُحطِّم الشيء أو يُحطِّمه هذا الشيء ؛ وهكذا تمنع الظُّلْمة الإنسان من أن يهتدي إلى ما يريد .
أما النور فهو يوضح الأشياء ، ويستطيع الإنسان أن يُميِّز بين الطرق ويتجنب الضار ويتجه إلى النافع ؛ ويكون على بصيرة من الهداية ؛ ذلك هو الأمر الحِسيّ ؛ وكُلٌّ من النور والظلمة أمرٌ حِسي .
وهكذا يُجلِّي الله لنا المعاني ، والحياة لا تحتاج فقط إلى ما يُجلي المظاهر المادية بالنور ؛ بل تحتاج أيضاً إلى نور يُجلي المظاهر المعنوية ؛ من حقد وحسد ، وخوف وأمن ، واطمئنان ، وأمانة ووفاء ؛ وغير ذلك .
فالحياة كلها فيها الشيء وما يقابله ؛ لذلك لا بُدَّ أن تُجْلَي المعاني أيضاً . والنور الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم يُجلي الحِسّ والمعنى في آن واحد ؛ لنتجنب الأشياء التي تطمسها الظُّلْمة ؛ ولنسير على بينة من المعاني ، فلا نصطدم بالعقبات .
ولذلك يُفسِّر لنا الحق سبحانه الأمر المعنوي ، فيقول:
{إلى صِرَاطِ العزيز الحميد ...} [إبراهيم: 1] .
وهذا هو الصراط المستقيم الذي يُخرجنا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الظلمات إلى نوره .