وإذ قد أسند الإخراج إليه في سياق تعليل إنزال الكتاب إليه عُلِم أن إخراجه إياهم من الظلمات بسبب هذا الكتاب المنزل ، أي بما يشتمل عليه من معاني الهداية.
وتعليل الإنزال بالإخراج من الظلمات دل على أن الهداية هي مراد الله تعالى من الناس ، وأنه لم يتركهم في ضلالهم ، فمن اهتدى فبإرشاد الله ومن ضلّ فبإيثار الضال هوى نفسه على دلائل الإرشاد ، وأمرُ الله لا يكون إلا لحِكم ومصالح بعضها أكبر من بعض.
والإخراج: مستعار للنقل من حال إلى حال.
شبه الانتقال بالخروج فشبه النقل بالإخراج.
و {الظلماتُ والنور} استعارة للكفر والإيمان ، لأن الكفر يجعل صاحبه في حيرة فهو كالظلمة في ذلك ، والإيمان يرشد إلى الحق فهو كالنور في إيضاح السبيل.
وقد يستخلص السامع من ذلك تمثيل حال المنغمس في الكفر بالمتحير في ظلمة ، وحال انتقاله إلى الإيمان بحال الخارج من ظلمة إلى مكانٍ نيّر.
وجمع {الظلمات} وإفراد {النور} تقدم في أول سورة الأنعام (1) .
والباء في {بإذن ربهم} للسببية ، والإذنُ: الأمر بفعل يتوقف على رضَى الآمر به ، وهو أمر الله إياه بإرساله إليهم لأنه هو الإذن الذي يتعلق بجميع الناس ، كقوله: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله.
ولما كان الإرسال لمصلحتهم أضيف الإذن إلى وصف الربّ المضاف إلى ضمير الناس ، أي بإذن الذي يدبر مصالحهم.
وقوله: {إلى صراط العزيز الحميد} [سورة إبراهيم: 1] بدل من النور بإعادة الجار للمبدل منه لزيادة بيان المبدل منه اهتماماً به ، وتأكيد للعامل كقوله تعالى: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم} في سورة الأعراف (88) .
ومناسبة الصراط المستعار للدين الحق ، لاستعارة الإخراج والظلمات والنور ولما يتضمنه من التمثيل ، ظاهرة.
واختيار وصف العزيز الحميد من بين الصفات العُلى لمزيد مناسبتها للمقام ، لأن العزيز الذي لا يُغلب.