وَقَالَ كَعْبُ الأَحْبَارِ - حِينَ طُعِنَ عُمَرُ وَحَضَرَتْهُ الوَفَاةُ -: وَاللهِ لَوْ دَعَا اللهَ عُمَرُ أَنْ يُؤَخِّرَ أَجَلَهُ لأَخَّرَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} ، فَقَالَ: (هَذَا إِذَا حَضَرَ الأَجَلُ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يُزَادَ وَيُنْقَصَ) ، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، حَكَاهُ البَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «وَقَدِ اسْتَفَاضَ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ: (أَطَالَ اللهُ عُمُرَكَ وَفَسَحَ فِي مُدَّتِكَ) - وَمَا أَشْبَهَهُ - » .
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي (سُورَةِ الأَنْعَامِ) : {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} ... .
فَثَبَتَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ لِلإِنْسَانِ أَجَلَيْنِ، وَتَأَوَّلَهَا حُكَمَاءُ الإِسْلَامِ
-عَلَى مَا حَكَاهُ الإِمَامُ الفَخْرُ - أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَجَلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الآجَالُ الطَّبِيعِيَّةُ.
الثَّانِي: الآجَالُ الاخْتِرَامِيَّةُ.
فَالآجَالُ الطَّبِيعِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَوْ بَقِيَ المِزَاجُ مَصُونًا عَنِ العَوَارِضِ الخَارِجِيَّةِ - كَالغَرَقِ وَالحَرْقِ وَلَسْعِ الحَشَرَاتِ وَغَيْرِهَا - لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقَائِهِ إِلَى الأَوْقَاتِ الفَلَكِيَّةِ.
وَالآجَالُ الاخْتِرَامِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تَحْصُلُ بِسَبَبٍ مِنَ الأَسْبَابِ الخَارِجِيَّةِ - كَالغَرَقِ وَالحَرْقِ وَلَسْعِ الحَشَرَاتِ - .
وَعَلَيْهِ: فَالعُمُرُ الطَّبِيعِيُّ: أَنْ يَمُوتَ الشَّخْصُ لَا بِعِلَّةٍ خَارِجِيَّةٍ.
هَذَا احْتِجَاجُهُمْ مِنَ الكِتَابِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَاحْتَجُّوا مِنْهَا بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «صِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الخُلُقِ
وَحُسْنُ الجِوَارِ يَعْمُرْنَ الدِّيَارَ وَيَزِدْنَ فِي الأَعْمَارِ»، رَوَاهُ إِمَامُنَا أَحْمَدُ، وَالبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ.
وَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العُمُرِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» ، رَوَاهُ القُضَاعِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.