ثم أبان الله تعالى مستأنفا الكلام مصير أهل الحق وأهل الباطل، ومآل السعداء والأشقياء، ترغيبا وترهيبا، فقال: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا .. أي الجنة للذين أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدقوا أخباره الماضية والآتية، فلهم الجزاء الحسن ونعيم الجنة والثواب العظيم، كما قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس 10/ 26] وقال: وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً [الكهف 18/ 88] .
وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا .. أي والذين لم يطيعوا الله ورسوله، لا ينفعهم في الآخرة الفداء بجميع ما في الدنيا وضعف ما فيها، أي لا يمكنهم في الدار الآخرة أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا، ومثله معه. ولو كان لهم ذلك لافتدوا به، ولكن لا يتقبل الله منهم لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفا ولا عدلا، أي فداء وتوبة.
أولئك الذين لم يطيعوا الله لهم سوء العذاب في الدار الآخرة، ويناقشون على كل ما قدموه، لا يغفر منه شيء، ومن نوقش الحساب عذب، ومرجعهم إلى النار وبئس المستقر مستقرهم. وفي هذا تهويل شديد، وتخويف عظيم، لغفلتهم من اتباع أوامر ربهم، وتقربهم إليه، وانغماسهم في شهواتهم.
ثم نزل في حمزة رضي الله عنه وأبي جهل، كما ذكر ابن عباس قوله تعالى:
أَفَمَنْ يَعْلَمُ .. أي لا يستوي من يعلم من الناس أن المنزل إليك يا محمد من ربك هو الحق الذي لا شك فيه ولا لبس فيه، بل هو كله حق، فأخباره كلها حق، وأوامره ونواهيه عدل، كما قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا [الأنعام 6/ 115] أي صدقا في الإخبار، وعدلا في الطلب، لا يستوي من صدّق بما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم، ومن لم يصدق به، وكان أعمى لا يستبصر، ولا يهتدي إلى خير، ولا يفهمه، ولو فهمه، ما انقاد له ولا صدقه، ولا اتبعه.
إنما الذي ينتفع بهذه الأمثال ويعتبر بها ويتعظ ويعقل هم أولو العقول السليمة، والأفكار الصحيحة، والآراء الرشيدة.
ونظير الآية: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ، وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ [الحشر 59/ 20] .