والجواب إنا لا ندعي إلا الإشارة وأما أن ذلك مدلول اللفظ أو مراد الله تعالى فمعاذ الله تعالى من أن يمر بفكري، واعتقاد ذلك هو الضلال البعيد والجهل الذي ليس عليه مزيد، وقد نص المحققون من الصوفية على أن معتقد ذلك كافر والعياذ بالله تعالى، ولعلك تقول: كان الأولى مع هذا ترك ذلك.
فنقول: قد ذكر مثله من هو خير منا والوجه في ذكره غير خفي عليك لو أنصفت {وَهُمْ يجادلون فِى الله} بالتفكر في ذاته والنظر للوقوف على حقيقة صفاته {وَهُوَ} سبحانه {شَدِيدُ المحال} [الرعد: 13] في دفع الأفكار والأنظار عن حرم ذاته وحمى صفاته جل جلاله:
هيهات أن تصطاد عنقاء البقا ...
بلعابهن عناكب الأفكار
{لَهُ دَعْوَةُ الحق} أي الحقة الحقيقة بالإجابة لا لغيره سبحانه {والذين يَدْعُونَ} الأصنام {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْء إِلاَّ كباسط كَفَّيْهِ إِلَى الماء لِيَبْلُغَ فَاهُ} أي إلا استجابة كاستجابة من ذكر لأن ما يدعونه بمعزل عن القدرة {وَمَا دُعَاء الكافرين} المحجوبين {إِلاَّ فِى ضلال} [الرعد: 14] أي ضياع لأنهم لا يدعون الإله الحق وإنما يدعون إلها توهموه ونحتوه في خيالهم {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ} ينقاد {مَن فِى السماوات والأرض} من الحقائق الروحانيات {طَوْعًا وَكَرْهًا} شاؤا أم أبوا {وظلالهم} هياكلهم {بالغدو والاصال} [الرعد: 15] أي دائماً؛ وقيل: يسجد من في السماوات وهو الروح والعقل والقلب وسجودهم طوعاً ومن في الأرض النفس وقواها وسجودهم كرهاً.