بعد ما بين الله تعالى أَنه عالم بجميع أَحوال الإِنسان في مراتب فطرته ومحيط بعالمى الغيب والشهادة، جاءَت هذه الآية لبيان أَنه لا فرق في علمه بين السِّرِّ والعلن، والجلى والخفى، فيستوى في علمه من أَسر القول منهم وأَخفاه عن غيره، ومن جهر به وأَذاعه خيرًا كان أَو شرًّا، فيعلم سر الأَول كعلمه بجهر الثاني من غير تفاوت بينهما في كيفية علمه بهما ودرجته، كما يستوى في علمه من يبالغ في الاستتار والتخفى في ظلمة الليل، ومن هو سارب وبارز بالنهار.
وقال الأَخفش وقطرب؛ المستخفى بالليل؛ الظاهر ومنه خَفَيْتُ الشَّئَ وأَخفيته أي أَظهرته والسارب المختفى بالنهار يدخل سربًا يختفى فيه - انتهى بتصرف. وتلك عادة لبعض العابثين يختفون نهارًا، ويظهرون ليلًا، ليأْخذوا الناس على غرة وهؤلاءَ وأَمثالهم كغيرهم يحيط بهم علمه مهما تذرعوا به من إِحكام التخفى بمختلف الوسائل والأَساليب.
{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) }
التفسير
11 - (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ) :