ثم تأمل في اقتدار يوسف عليه السلام على سياسة الملك ، وكيف اجتذب إليه القلوب بالإحسان: {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ} [يوسف: من الآية 62] الآية ، ودبر الحيلة العجيبة بمسألة الصواع والاتهام بالسرقة ليضم أخاه إليه: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ} [يوسف: من الآية 76] الآية ، وعامل المحكومين بشرعهم ودينهم وملتهم وعادتهم ، كما عليه جميع الأمم الشرقية الحية من الرفق بالأمة المحكومة لهم ، فيسوسونهم بدينهم وعادتهم وشرعهم وأخلاقهم وأموالهم ؛ إتباعاً لما رسمته الشريعة الغراء مما يناسب حكم سيدنا يوسف عليه السلام ، وذلك أنه أمر أتباعه أن يسألوهم: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ} [يوسف: 74] الآية ، فكانت شريعة بني يعقوب أن يستعبدوا السارق سنة عند صاحب المتاع ، فعاملهم بما هم عليه ، لذلك يقول الله تعالى: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: من الآية 76] ، امتدح على حسن خطته في السياسة ومراعاته عادة أولئك القوم . وهذه - وإن كانت مسألة بسيطة الظاهر - فهي أم السياسة ورأس علوم العمران ، وأول ما يوصى به السواس والعقلاء ! .
تالله ! ما أجمل القرآن وما أبهج العلم ! وليت شعري كيف يقول الله بعدها: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: من الآية 76] . ولولا ما فيها من مبدأ شريف وحكم عالية مع وضوحها وبساطتها لذوي النظر السطحي والبُله الغُفْل ؛ ما أعطاها هذا الجلال والإعظام ومدح العلم ! فحيا الله العلم وأدام دولته ! .