والدعوة إلى الله أعظم وظائف المسلم، ولا بدَّ عند القيام بها من الحكمة، فيؤخذ الناس باللين والرفق لا بالشدة والعنف، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - تلين في الدعوة، وبسبب لينه في صلح الحديبية صار الأمان والاختلاط بين المسلمين والمشركين.
فرأى المشركون في المسلمين صفات جذبتهم إلى الدين:
الإيمان .. والعبادات .. والمعاملات .. والمعاشرات .. والأخلاق.
فدخلوا في الإسلام طائعين راغبين.
ففي السنة السادسة من الهجرة كان صلح الحديبية، والمسلمون منذ تسع عشرة سنة كانوا لا يزيدون على ألف وخمسمائة إلا قليلاً، وبعد الصلح دخل الناس في دين الله أفواجاً.
فكان فتح مكة بعد سنتين في السنة الثامنة من الهجرة والمسلمون يزيدون على عشرة آلاف، ثم بعد سنتين في السنة العاشرة عام غزوة تبوك كان المسلمون أكثر من ثلاثين ألفاً.
ثم بعد سنة في السنة الحادية عشرة حج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين أكثر من مائة وعشرين ألفاً من المسلمين.
ولما أكمل الله أصول الدين وأحكامه .. وأصول الدعوة وأحكامها .. حمَّل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأمة مسئولية الدين في حجة الوداع، وأمرهم بأن يبلغ الشاهد
منهم الغائب، ثم قبض الله رسوله بعد كمال الدين وتمام النعمة ودخول الناس في دين الله أفواجاً كما قال سبحانه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) } [النصر: 1 - 3] .
وبقيت على الأمة من بعده مسئوليات أربع:
تعلم الدين .. والعمل بالدين .. وتعليم الدين .. والدعوة إلى الدين.
والداعي إذا ذهب إلى الأمصار والقرى للدعوة إلى الله حصلت بسببه مصلحتان:
الأولى: مصلحة الداعية بوجود البيئة التي يزيد فيها إيمانه، وتحسن أعماله، وتعينه على امتثال أوامر الله.
الثانية: مصلحة الأمة بوجود بيئة الإيمان والعلم والأعمال، فيتأثرون بها، ويرون أحوالها ويستفيدون من مواعظها.
وجهد الدعوة يمشي ويعطي ثماره بستة أمور: