قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها سرقة ، ولكنها تشبهها فعيروه بها عند الغضب ، وقيل: إنهم كذبوا عليه وبهتوه ، وكانت قلوبهم مملوءة من الغضب على يوسف بعد تلك الوقائع وبعد انقضاء المدّة الطويلة. قال الرازي: وهذه الواقعة تدل على أنّ قلب الحاسد لا يطمئن من الغل البتة. {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها} ، أي: يظهرها {لهم} والضمير للكلمة التي هي قوله: {قال} ، أي: في نفسه {أنتم شرّ مكاناً} ، أي: من يوسف وأخيه ، أي: لسرقتكم أخاكم من أبيكم وظلمكم له ، وقيل: الضمير يرجع إلى الكلمة التي قالوها في حقه ، وهي قولهم: {فقد سرق أخ له من قبل} وعلى هذا يكون المعنى: فأسر يوسف جواب الكلمة التي قالوها في حقه {والله أعلم} منكم {بما تصفون} ، أي: تقولون ، وأنه ليس كما قلتم ، قال أصحاب الأخبار والسير: إنّ يوسف عليه السلام لما استخرج الصاع من رحل بنيامين نقره وأدناه إلى أذنه ثم قال: إنّ صاعي هذا يخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلاً لأب واحد وإنكم انطلقتم بأخ لكم من أبيكم فبعتموه فقال بنيامين: أيها الملك إنّ صاعك يخبرك من جعله في رحلي ، ثم نقره وأدناه من أذنه ، فقال: إنّ صاعي غضبان وهو يقول: كيف تسألوني عن صاحبي وقد رؤيت مع من كنت؟ قالوا: فغضب روبيل لذلك ، وكانوا أولاد يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا ، وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء ، وكان إذا صاح ألقت كل حامل حملها إذا سمعت صوته ، وكان مع هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب عليه السلام يسكن غضبه ، وكان أقوى الأخوة وأشدّهم ، وروي أنه قال لإخوته: كم عدد الأسواق بمصر؟ قالوا: عشرة. فقال: اكفوني أنتم الأسواق ، وأنا أكفيكم الملك أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق ، ودخلوا على يوسف فقال روبيل: لتردّن علينا أخانا أو لأصيحنّ صيحة لا تبقي بمصر امرأة حامل إلا ألقت ولدها ، وقامت كل شعرة في جسده حتى خرجت من ثيابه ، فقال يوسف لابن له صغير: قم إلى جنب روبيل فمسه ،