بل بنى كلامه على ذكر ما يجب عليهم من العمل وبين ان أمره بذلك توطئة وتقدمة للتخلص عما يهددهم من المجاعة والمخمصة وهو ظاهر وهذا دليل على ان الذي رآه الملك من الرؤيا انما كان مثال ما يجب عليه من اتخاذ التدبير لانجاء الناس من مصيبة الجدب وإشارة إلى ما هو وظيفته قبال مسؤليته في أمر رعيته وهو ان يسمن بقرات سبعا لتأكلهن بقرات مهازيل ستشد عليهم ويحفظ السنابل الخضر السبع بعد ما يبست على حالها من غير دوس وتصفية لذلك .
فكأن نفس الملك شاهدت في المنام ما يجب عليه من العمل قبال ما يهدد الأرض من سنة الجدب فحكت السنين المخصبة والمجدبة أي الرزق الذي يرتزقون به فيها في صورة البقرة ثم حكت ما في السبع الأول من تكثير المحصول بزرعها دأبا في صورة السمن وما في السبع الآخر في صورة الهزال وحكت نفاد ما ادخروه في السبع الأولى في السبع الثانية بأكل العجاف للسمان وحكت ما يجب عليهم في حفظ ذخائر الرزق بالسنبلات اليابسة قبال السنبلات الخضر .
ولم يزد يوسف (عليه السلام) في تأويله على ذلك شيئا الا أمورا ثلاثة أحدها ما استثناه بقوله:"الا قليلا مما تأكلون"وليس جزء من التأويل وإنما هو اباحة وبيان لمقدار التصرف الجائز فيما يجب ان يذروه في سنبله .
وثانيها قوله"الا قليلا مما تحصنون"وهو الذي يجب ان يدخروه للعام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ليتخذ بذرا ومددا احتياطيا وكأنه (عليه السلام) اخذه من قوله في حكاية الرؤيا ياكلهن سبع عجاف حيث لم يقل اكلتهن بل عبر عن اشتغالهن باكلهن ولما يفنيهن بأكل كلهن ولو كانت ذخائرهم تنفد في السنين السبع الشداد