وقد قدّمنا هذا المعنى؛ ثم إنّ تدبير محمد - صلى الله عليه وسلم - في الجدب كان أصلح وأنفع للخلق, ومحمّد - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أجدب قومُه دعا اللهَ تعالى فأنزل الغيث فعمّ البلدان وأحياها, وأحيا أهلها, وتصرّفوا هم في معائشهم على مقتضى مصالحهم واختيارهم من غير حجْرٍ, ولا تقتير, ولا تضييق, وكانوا إذا أملقوا أو قلّت الأزواد سفراً وحضراً دعا بما بقي مَعَهم منها ثم دعا فيه بالبركة ثم أمرهم فأكلوا وتزوّدوا كما ذكرنا فيما مضى, وكذلك في الماء إذا أعوزهم كما سبق ذكْره, فهذا التدبير أكمل من تدبير يوسف عليه الصلاة والسلام, وهذا التصرّف أنفع من تصرّف يوسف عليه الصلاة والسلام, وهذا النفع أعمّ من نفع تدبير يوسف عليه الصلاة والسلام, لكن كان ليوسف عليه الصلاة والسلام في ذلك مزيّة أخرى: وهو أنّ الله تعالى جَبَره وطيّب قلبَه بعد أن كان في قيد الاسترقاق, بأن أعطاه هذا التدبير الحسن, حتى ملّكه رقاب أهل مصر بأجمعهم, فإنه لما فوّض إليه تدبير الخزائن وأمور الناس فعل ما علّمه الله تعالى من جمع الطعام في سنبله في السّبْع السّنين المُخْصِبَة, وحفظه حتى دخلت السنون المُجدِبة فنفد ما عند الناس من الحبوب وسَلِم ماعنده, فباعهم أوّل سنة بالنقود حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه, وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء , وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب حتى احتوى عليها أجمع, وباعهم في السَّنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق عبْد ولا أمة في يد أحد, وباعهم في السَّنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتى احتوى عليها, وباعهم في السنة السادسة بأولادهم حتى استرقّهم, وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر حرّ ولا حرّة إلا صار قِنّاً له, فتعجب الناس من ذلك, فكان ذلك جبراً لقلبه الذي انكسر حال استرقاقه, وتطييباً لنفسه حين ملّكه رقاب جميع أهل مصر, وهي عطيّة سنيّة, ومنّة من الله تعالى عظيمة, والذي أُعطي محمد - صلى الله عليه وسلم - من هذا الجنس أعظم وهو ما تمالَأ عليه المشركون من أن لا يبايعوا بني هاشم وبني المطلب, ولا يناكحوهم, حتى يُسلّموا إليهم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - , ففعلوا ذلك, فلمّا فعلوهُ وكتبوا الكتاب وتعاقدوا فيه على ذلك وجعلوا الكتاب في جوف الكعبة توكيداً للأمر انحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب, فدخلوا معه في شعبِه,