وعلى قراءة من قرأ"الْمُخْلَصِينَ"بفتح اللام يريد ما أراده به في الأزل وحباه
من نعمته في القِدم، وهذا كله من آياته التي ذكرها في شأنه وشأنهم.
ثم قال جلّ قوله: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ ...(25) . فرَّ - عليه السَّلام - من موضع حضره
فيه الشيطان إلى ربه معتصمًا به، وقصَّ الله - جل ذكره - ذلك علينا من شأنه ليرينا
كيف يكون الهرب إليه من المعصية، ومدحه على ذلك، وآثر عنه جميل الذكر
وكريم الأحدوثة لإيثاره الله - جلَّ جلالُه - على نفسه، وتغليبه حزب الله على حزب الشيطان
(وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) وشهد له الشاهد بالبراءة من أجل ذلك،
وتلك آية الله على الحكم بالدلالة والأمارة عند عدم الشهود، وهو حكم صحيح،
وقد حكاه الله واستاقه في معرض المدح مصونًا للتحكيم به.
قوله تعالى: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) يمكن
أن يكون هذا من البرهان الذي أراه الله - جلَّ جلالُه - فازدجر من أجله، فينتظم لمعنى قوله:
(لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) رأى مرأى ما بعينه قائلاً له:(يُوسُفُ
أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)ولما أسلمت بعد زمان فاجتمع مجتمع بها قال لها:(وَاسْتَغْفِرِي
لِذَنْبِكِ)ويدل على صحة هذا قوله لها: (إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ)
ولو كان القائل لها غيره وفي وقت الحكم لم يخلص ذلك منها للماضي، أي: إنكِ
كنتِ من الخاطئين في مراودتك إياي وقولك لزوجك:(مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ
سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)وقولك للنسوة ما قلتِ وسجنك إياي. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 3/ 86 - 92} ...