وقال السراج البلقيني في رسالته المسماة نشر العبير لطي الضمير المفسر لضمير الغائب إما مصرح به أو مستغنى بحضور مدلوله حساً أو علماً فالحس نحو قوله تعالى: {هِىَ رَاوَدَتْنِى} و {يا أبت استجره} [القصص: 26] كما ذكره ابن مالك ، وتعقبه شيخنا أبوحيان بأنه ليس كما مثل به لأن هذين الضميرين عائدان على ما قبلهما فضمير {هِىَ رَاوَدَتْنِى} عائد على الأهل في قولها: {مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا} [يوسف: 25] ولما كنت عن نفسها بذلك ولم تقل بي بدل {بِأَهْلِكَ} كنى هو عليه السلام عنها بضمير الغيبة فقال: {هِىَ رَاوَدَتْنِى} ولم يخاطبها بأنت راودتيني ، ولا أشار إليها بهذه راودتني وكل هذا على سبيل الأدب في الألفاظ والاستيحاء في الخطاب الذي لا يليق بالأنبياء عليهم السلام ، فأبرز الاسم في صورة ضمير الغائب تأدباً مع العزيز وحياءاً منه ، وضمير {استجره} عائد على موسى فمفسره مصرح بلفظه ، وكأن ابن مالك تخيل أن هذا موضع إشارة لكون صاحب الضمير حاضراً عند المخاطب فاعتقد أن المفسر يستغنى عنه بحضور مدلوله حساً فجرى الضمير مجرى اسم الإشارة ، والتحقيق ما ذكرناه هذا كلامه.
وعندي أن الذي قاله ابن مالك أرجح مما قاله الشيخ ، وذلك أن الإثنين إذا وقعت بينهما خصومة عند حاكم فيقول المدعي للحاكم: لي على هذا كذا: فيقول المدعى عليه: هو يعلم أنه لا حق له علي ، فالضمير في هو إنما هو لحضور مدلوله حسالاً لقوله: لي كما هو المتبادر إلى الأفهام ، وأيضاً يرد على ما ذكره في ضمير
{استجره} [القصص: 26] أن موسى عليه السلام لم يسبق له ذكر عند حضوره مع بنت شعيب عليه السلام ، وقد قالت: {إِحْدَاهُمَا يا أبت استجره} [القصص: 26] وقصدها بالضمير الرجل الحاضر الذي بان لها من قوته وأمانته الأمر العظيم ، ثم إن من خاصم زوجته فقال للحاضرين من أهلها.