الدّرجةُ الاُّولى: هِمَّةٌ تصونُ القلبَ عن وَحْشةِ الرَّغبة فِي الدّنيا وما عليها ، فيزهد القلبُ فيها وفى أَهلها.
وسُمِّيت الرغبةُ فيها وَحْشَةً لأَنَّها وأَهلَها تُوحِش القلبَ والرّاغبين فيها ، فأَرواحُهم وقلوبُهم فِي وَحْشة من أَجسامهم إِذْ فاتَها ما خُلِقت له.
وأَمّا الزاهدون فيها فإِنَّهُمْ يَرَوْنَها مُوحِشَةً لهم ؛ لأَنَّها تحول بينهم وبين مطلوبهم ومحبوبهم ، ولا شىءَ أَوحشَ عند القلب من شىءٍ يحولُ بينه وبين مطلوبه ومحبوبه ، ولذلك كان مَنْ نازع النَّاس أَموالَهم وطلَبها منهم أَوْحَشَ شىءٍ إِليهم وأَبْغَضَه.
وأَيضاً فالزاهدون فيها إِنما ينظرون إِليها بالبصائر ، والرّاغبون ينظرون إِليها بالأَبصار ، فيَتَوَحَّش الزَّاهد ممّا يَأْنَسُ به الراغِبُ كما قيل:
*وإِذا أَفاقَ القَلْبُ وانْدَمَل الهَوَى * رَأَتِ القُلُوبُ ولم تَرَ الأَبْصارُ*
ولذلك [فإِنَّ] الهمّة تحملُه على الرَّغبة فِي الباقى لِذاتِه ، وهو الحقّ سبحانه ، والباقى بإِبقائه وهو الدّارُ الآخرة ، وتُخَلِّصه وتُمَحِّصه من آفات الفُتور والتَّوانى وكُدوراتها التي هي سبب الإِضاعة والتفريط.
والدّرجة الثانية: هِمَّةٌ تورِث أَنَفَةً من المبالاة بالعِلَل والنُّزُول على العمل ، والثِّقة بالأَمل.
والعِلَل ها هُنا الاعتمادُ على الأَعمال ورؤية ثمراتها ونحو ذلك ، فإِنَّها عندهم عِلَلٌ ، فصاحبُ هذه الهِمَّة تَأْنَفُ هِمَّتُه وقَلْبُه من أَن يُبالِىَ بالعِلَل ، فإِنَّ همّته/ فوقَ ذلك ، ففكرتُه فيها ومبالاتُه بها نزولٌ من الهمّة.
وعدمُ هذه المبالاة إِمّا لأَنَّ العِلَل لم تحصل له ؛ لأَنَّ علوَّ هِمّته حال بينه وبينها فلا يُبالى بما لا يحصل له ، وإِمّا لأَنّ همّته وسَعَة مطلبِه وعلوّه تأْتى على تلك العِلَل وتستأْصلها ، فإِنَّه إِذا عَلَّق همّته بما هو أَعلَى منها تضمّنَتها الهمّة العالية ، واندرج حكمُها فِي حكم الهمّة العالية.
وهذا محلّ عزيز جدّاً.