وهكذا لم يَقُمْ يوسف عليه السلام بما يتطلبه ذلك لنقص فيه ؛ ولا لأن الموقف كان مفاجأة ضَيَّعَتْ رجولته بغتة ؛ مثل ما يحدث لبعض الشباب في ليلة الزفاف ، حين لا يستطيع أن يَقربَ عروسه ؛ وتمر أيام إلى أن يستعيد توازنه . ويقرب عروسه .
إذن: لو أن القرآن يريد عدم الهَمِّ على الإطلاق ؛ ومن غير شيء ، لَقَال: ولقد هَمَّتْ به ولم يَهِم بها .
ولكن مثل هذا القول هو نَفْيٌ للحدث بما لا يستلزم العفة والعصمة ، لجواز أن يكون عدم الهَمِّ راجعاً إلى نقص ما ؛ وحتى لا يتطرق إلينا تشبيهه ببعض الخدم ؛ حيث يستحي الخادم أن ينظر إلى البنات الجميلات للأسرة التي يعمل عندها ؛ ويتجه نظره إلى الخادمة التي تعمل في المنزل المجاور ، لأن للعواطف التقاءات .
ومن لُطْفِ الله بالخلق أنه يُوجِد الالتقاءات التفاعلية في المتساويات ، فلا تأتي عاطفة الخادم في بعض الأحيان ناحية بنات البيت الذي يعمل عنده ؛ وقد يطلب من أهل البيت أن يخرج لشراء أي شيء من خارج المنزل ، لعله يحظى بلقاء عابر من خادمة الجيران .
ويجوز أن الخادم قد فكر في أنه لو هَمَّ بواحدة من بنات الأسرة التي يعمل لديها ؛ فقد تطرده الأسرة من العمل ؛ بينما هو يحيا سعيداً مع تلك الأسرة .
وهكذا يشاء الحق سبحانه أن يوزع تلك المسائل بنظام وتكافؤات في كثير من الأحيان .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قال الحق سبحانه:
{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] .
إذن: فبرهان ربه سابق على الهَمِّ ، فواحد هَمّ ولم يرتكب ما يتطلبه الهمّ ؛ لأن برهان ربه في قلبه ، وقد عرف يوسف برهان ربه من البداية .
وبذلك تنتهي المسألة ، ولذلك فلا داعي أن يدخل الناس في متاهات أنه هَمّ وجلس بين شعبتيها ، ولم يرتعد إلا عندما تمثِّل له وجه والده يعقوب ونهاه عن هذا الفعل ؛ فأفسقُ الفُسّاق ولو تمثَّل له أبوه وهو في مثل هذا الموقف لأصيب بالإغماء .