قالت يا يوسف! أدنو منك وتتباعد مني؟ قال: أريد بذلك القرب من ربيّ.
قالت: يا يوسف القَيْطون (فرشته لك) فادخل معي ، قال: القَيْطُون لا يسترني من ربيّ.
قالت: يا يوسف فراش الحرير قد فرشته لك ، قم فاقض حاجتي ، قال: إذًا يذهب من الجنة نصيبي ؛ إلى غير ذلك من كلامها وهو يراجعها ؛ إلى أن همّ بها.
وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يَمِلْن إلى يوسف مَيْل شهوة حتى نبأه الله ، فألقى عليه هيبة النبوّة ؛ فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه.
واختلف العلماء في همّه ؛ ولا خلاف أن همّها كان المعصية ، وأما يوسف فهمّ بها {لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} ولكن لما رأى البرهان ما همّ ؛ وهذا لوجوب العصمة للأنبياء ؛ قال الله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء والفحشآء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين} فإذًا في الكلام تقديم وتأخير ؛ أي لولا أن رأى برهان ربه همّ بها.
قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} الآية ، قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير ؛ كأنه أراد ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها.
وقال أحمد بن يحيى: أي همت زليخاء بالمعصية وكانت مصِرّة ، وهمّ يوسف ولم يواقع ما همّ به ؛ فبين الهمتين فرق ، ذكر هذين القولين الهرويّ في كتابه.
قال جميل:
هَمَمْتُ بِهَمٍّ من بُثَينةَ لو بَدَا ...
شَفيتُ غَليلاتِ الهوَى من فُؤاديَا
آخر:
هَمَمْتُ ولم أفعلْ وكدتُ وليتني ...
تَركتُ على عثمان تبكي حلائلهُ
فهذا كله حديث نفس من غير عزم.
وقيل: همّ بها تمنى زوجيتها.
وقيل: همّ بها أي بضربها ودفعها عن نفسه ، والبرهان كفه عن الضرب ؛ إذ لو ضربها لأوهم أنه قصدها بالحرام فامتنعت فضربها.