الحادي عشر: أنه استثناءٌ من التدرُّج الذي بين الدنيا والآخرة .
الثاني عشر: أنه استثناءٌ من المسافات التي بينهم في دخول النار ، إذ دخولُهم إنما هو زُمَراً بعد زُمَر .
الثالث عشر: أنه استثناءٌ من قوله:"ففي النار"كأنه قال: إلا ما شاء ربُّك مِنْ تأخُّر قوم عن ذلك ، وهذا القولُ مرويٌّ عن أبي سعيد الخدري وجابر .
الرابع عشر: أنَّ"إلا ما شاء"بمنزلة كما شاء ، قيل: كقوله: {مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] ، أي: كما قَدْ سَلَفَ .
{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) }
قوله تعالى: {عَطَآءً} نُصِبَ على المصدر المؤكد من معنى الجملةِ قبله ؛ لأن قوله:"ففي الجنة خالدين"يقتضي إعطاء وإنعاماً فكأنه قيل: يُعْطيهم عَطاءً ، وعطاء اسم مصدر ، والمصدر في الحقيقة الإِعطاء على الإِفعال ، أو يكونُ مصدراً على حذف الزوائد كقوله: {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 17] ، أو هو منصوب بمقدَّرٍ موافِقٍ له ، أي: فَنَبَتُّم نباتاً ، وكذلك هنا يقال: عَطَوْتُ بمعنى تناولْت .
و"غيرَ مَجْذوذ"نَعْتُه . والمجذوذ: المقطوع ، ويقال لِفُتات الذهب والفضة والحجارة:"جُذاذ"من ذلك ، وهو قريب من الجَدِّ بالمهملة في المعنى ، إلا أن الراغب جَعَل جَدَّ بالمهملة بمعنى قَطْع الأرضِ المستوية ، ومنه"جَدَّ في سيره يَجِدُّ جَدَّاً"، ثم قال:"وتُصُوِّر مِنْ جَدَدْتُ [الأرضَ] القَطْعُ المجردُ فقيل: جَدَدْتُ الثوب إذا قطعتَه على وجهِ الإِصلاح ، وثوبٌ جديد أصله المقطوع ، ثم جُعل لكل ما أُحْدِث إنشاؤه". والظاهرُ أن المادتين متقاربتان في المعنى ، وقد ذكرْتُ لهما نظائرَ نحو: عَتَا وعَثا وكثب وكتب .