وإياكم أن تظنوا أن قدر الله يحكمه ؛ فالقدر فِعْلُه ، ولا أحد يسأل الله سبحانه عمَّا يفعل ؛ لأن ذات الله هي الفاعلة ؛ فإن شاء سبحانه أن ينقص خلود مسلم عاصٍ في النار ؛ فالنقص يكون في النهاية ؛ وبذلك يتحقق أيضاً نقص خلوده في الجنة ، لأنه لا يدخلها إلا بعد أن يستوفي عقابه .
وبهذا التصور ينتهي الإشكال الذي اختلف حوله مائة وخمسون عالماً ؛ فقد ظن بعضهم أن الحق سبحانه يغلق أبواب النار على من أدخلهم إياها ، ويستمر ذلك إلى ما لا نهاية ، وكذلك من دخل الجنة من البداية سيظل فيها أبداً ، ولن يُلحق الله أصحاب الكبائر بالجنة ، ومن قال بذلك الرأي إنما يُسوِّي بين من ارتكب الكبيرة وبين الكافر بالله ، وهذا أمر غير متصور ، وهو بعيد عن رحمة الله .
وإذا كان هذا البعض من العلماء قد استدل على رأيه بالآية الكريمة التي جاءت في سورة الجن ، والتي يقول فيها الحق سبحانه:
{إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [الجن: 23] .
فنحن نقول: إن الحق سبحانه يربِّب لطفه للكافر حتى يؤمن ، وللعاصي حتى يتوب ، وهذا من رحمة الله سبحانه ، فتأبيد الخلود في العذاب لم يرد إلا في آيتين ، وهذا دليل على عظيم رحمة الله وسِعَة عفوه سبحانه .
ولذلك قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه رحمة الله للعالمين ؛ وكلمة"العالمين"جمع"عالَم"والعالَم هو ما سِوى الله تعالى .
ولذلك هناك رحمة للكافر ؛ هي عطاء الله له في الدنيا .
وهكذا نعلم أن الله سبحانه هو الذي يملك نواميس الكون ، ولم يتركها تفعل وحدها ، بل يزاول سبحانه سلطانه عليها ، وما دام القدر هو فعله سبحانه ؛ فهو يغيِّر فيه كما يشاء .
فهو سبحانه رب الزمان والمكان والحركة ، وما دام هو رب كل شيء فإنه فعال لما يريد ، وهنا تخضع أبدية الزمان لمراده ومشيئته .
وقول الحق سبحانه: