وهكذا نفهم أن الكافرين في الوصف الثابت أشقياء ، لكنهم لحظة دخول النار إنما يدخلونها أفراداً ؛ بل ويدخل معهم بعض من المسلمين العصاة ، ويتلقى كل واحد منهم عقابه المناسب لما ارتكب من الذنوب والمعاصي ؛ ويعاني كل منهم من شقاء يتناسب مع آثامه ؛ وبذلك يجتمعون في الشقاء ويختلفون في نوع وكمية العذاب ؛ كلٌّ حسب ذنوبه ، ولا يظلم ربك أحداً .
وجاء الحق سبحانه هنا بالفعل"شقوا"ليبيِّن لنا أنهم هم الذين اختاروا الشقاء ؛ وأتوا به لأنفسهم ؛ لأن الحق سبحانه خلق عباده وترك لكل منهم حق الاختيار ؛ وأنزل لهم المنهج ؛ ليصونوا أنفسهم ؛ وأعان من اختار الإيمان على الطاعة .
ثم يذكر الحق سبحانه في نفس الآية موقف مَنْ أدخلوا على أنفسهم الشقاء ، فيقول عنهم:
{فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} [هود: 106] .
ونحن نعلم أن الذي يتنفس في النار سيخرج الهواء من صدره ساخناً مثلما يأخذ الشهيق ساخناً .
ويواصل الحق سبحانه وتعالى وَصْفَ ما يتلقاه أهل الشقاء في النار ، فيقول سبحانه: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض}
وكلمة"الخلود"تفيد المكث طويلاً ؛ مكوثاً له ابتداء ولا نهاية له ؛ وإذا أبِّد فهو تأكيد للخلود .
والذين شقوا إنما يدخلون النار ؛ بدءاً من لحظة:
{يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [هود: 105] .
وهو عذاب لا نهاية له بالنسبة للكافرين .
وأما عذاب المسلم العاصي على ما ارتكب من آثام ؛ فبدايته من لحظة انتهاء الحساب إلى أن تنتهي فترة عذابه المناسبة لمعاصيه ؛ ويدخل الجنة من بعد ذلك .
ولهذا قال الحق سبحانه:
{إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} [هود: 107] .
وهكذا ينقص الحق سبحانه الخلود في النار بالنسبة لأنصاف المؤمنين ، فالحق سبحانه {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [هود: 107] ولا يحكمه أي شيء .