وهكذا قد يُخيَّل للبعض أن هناك آيات تناقض بعضها ؛ فهناك آيات تسمح بالكلام ، وهناك آيات تنفي القدرة على الكلام .
وأقول: يجب أن نفهم أن الكلام الذي سيعجز الأشقياء عن نطقه يوم القيامة هو الكلام المجدي النافع ، وسيتكلم البعض كلام السفسطة الذي لا يفيد ، مثل لومهم بعضهم البعض ؛ وذكره لنا القرآن في قوله سبحانه:
{وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا} [فصلت: 29] .
وهذا كلام لا يشفع لصاحبه ولا يجدي .
إذن: فالممنوع هو الكلام المجدي المفيد ، أو أن مقامات القيامة متفاوتة ؛ فوقت يتكلمون فيه ؛ ووقت يؤخذون فيه ، فينبهرون ولا يتكلمون ، ويأمر الحق سبحانه الجوارح المنفعلة أن تتكلم وتشهد عليهم .
ويقسِّم الحق سبحانه أحوال الناس قسمين ، كما في قوله تعالى في آخر الآية:
{فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] .
وجاء بالاسم المحدد لكل من القسمين:"شقي"و"سعيد"؛ لأن الاسم يدل على الثبوت ، فالشقاء ثابت لمن نُعت بالشقي ؛ والسعادة ثابتة لمن نُعت بالسعيد .
ثم يبيِّن لنا الحق سبحانه منازل مَنْ شَقُوا ، ومنازل مَنْ سُعِدوا ؛ ولذلك يعدل عن استخدام الاسم إلى استخدام الفعل ، فيقول سبحانه: {فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار}
والذين حكموا على أنفسهم بالشقاء لخروجهم عن منهج الله ؛ يجمعهم الشقاء ؛ لكنهم يدخلون النار أفراداً وزُمَراً .
والحق سبحانه يقول:
{وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً} [الزمر: 71] .
وفي آية أخرى يقول سبحانه:
{كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} [الأعراف: 38] .