وعن الفصل فسمي يوم بَدر يوم الفرقان ، ومنه في ذكر ليلة القدر {فيها يُفرق كل أمر حكيم} [الدخان: 4] .
و (ثُم) للتراخي في الرتبة كما هو شأنها في عطف الجمل لما في التفصيل من الاهتمام لدى النفوس لأن العقول ترتاح إلى البيان والإيضاح.
و {من لدن حكيم خبير} أي من عند الموصوف بإبداع الصنع لحكمته ، وإيضاح التبيين لقوة علمه.
والخبير: العالم بخفايا الأشياء ، وكلما كثرت الأشياء كانت الإحاطة بها أعز ، فالحكيم مقابل ل {أحْكمتْ} ، والخبير مقابل ل {فُصّلتْ} .
وهما وإن كانا متعلّق العلم ومتعلّق القدرة إذ القدرة لا تجري إلا على وفق العلم ، إلا أنه روعي في المقابلة الفعلُ الذي هو أثرُ إحدى الصفتين أشدُّ تبادُراً فيه للناس من الآخر وهذا من بليغ المزاوجة.
{أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) }
(أنْ) تفسيرية لما في معنى {أحكمت آياتُه ثُم فصلت} [هود: 1] من الدلالة على أقوال محكمة ومفصلة فكأنه قيل: أوحي إليك في هذا الكتاب أن لا تعبدوا إلا الله ، فهذه الجملة تفسيرية لما أحكم من الآيات لأن النهي عن عبادة غير الله وإيجاب عبادة الله هو أصل الدين ، وإليه مرجع جميع الصفات التي ثبتت لله تعالى بالدليل ، وهو الذي يتفرع عنه جميع التفاصيل ، ولذلك تكرر الأمر بالتوحيد والاستدلال عليه في القرآن ، وأن أول آية نزلت كان فيها الأمرُ بملابسة اسم الله لأول قراءة القرآن في قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] .
والخطاب في {ألاَّ تعبدوا} وضمائر الخطاب التي بعده موجهة إلى الذين لم يؤمنوا وهم كل من يسمع هذا الكلام المأمور بإبلاغه إليهم.
وجملة: {إنني لكم منه نذير وبشير} معترضة بين جملة {ألا تعبدوا إلا الله} [هود: 1] وجملة {وأن استغفروا ربكم} [هود: 3] الآية ، وهو اعتراض للتحذير من مخالفة النهي والتحريض على امتثاله.